هل يسيطر الظواهري على القاعدة؟

0


تواصلت في الاشهر الأخيرة الانشقاقات والصدامات الداخلية بين الأجنحة المتماثلة مع القاعدة في سوريا.
فالاحتكاكات والخصومات ارتبطت بمسألة الولاء لزعيم القاعدة، أيمن الظواهري، ولأيديولوجيا التنظيم، وبرزت على خلفية التحولات والانعطافات التي وقعت في السنوات الأخيرة في شبكة تحالفاته مع شركائه في أرجاء الشرق الأوسط. وتطرح الأحداث التي وقعت في سوريا علامات استفهام حول مدى وحدة «معسكر» القاعدة ومدى تحكم الظواهري بشركائه في سوريا وفي شبكة تحالفاته في أماكن أخرى في أرجاء العالم.
عيّن مجلس شورى القاعدة د. أيمن الظواهري ليقود التنظيم، بعد وقت قصير من تصفية بن لادن في أيار/مايو 2011. وكانت مكانة بن لادن تنبع من تراثه القتالي في أفغانستان في عهد الاحتلال السوفييتي ومن مسؤوليته عن سلسلة من العمليات الارهابية الاستعراضية التي نفذها التنظيم ضد الولايات المتحدة، كريهة نفس القاعدة ومؤيديها، وذروتها هجمات 11 ايلول 2001.
ورغم كونه مطلوباً من أجهزة استخبارات عديدة في العالم، وبناء على ذلك اضطر لأن يختبىء في عزبة منعزلة في الباكستان على نحو عقد من الزمان، نجح بن لادن في مواصلة قيادة تنظيمه بل والتأثير على المنظمات المتحالفة المنتشرة في أرجاء العالم. وشهدت على ذلك وثائق جمعت من مكان اختبائه في الباكستان حيث تمت تصفيته.
ويعد استبدال زعيم أسطوري، يتمتع بمكانة خاصة وسمعة عالمية في أوساط التنظيم وشركائه، تحدياً غير بسيط لكل من يأتي بعده. وبالفعل، فقد وجد أيمن الظواهري صعوبة في الحلول محل سلفه ونيل مكانته في التنظيم الذي علق في أزمة عميقة بعد أن فقد الكثير من كبار زعمائه كنتيجة لهجمات الطائرات الأمريكية المسيّرة، وكذا لكونه مطلوبا ويحشر في عملية مطاردة عالمية. عوائق أخرى تقف في وجه الظواهري حين يسعى إلى قيادة شبكة التحالفات المتنوعة، ذات الانتشار العالمي، والتي تتوقف إلى زعيم كاريزماتي وموحد، كانت انعدام التجربة القتالية وشخصيته موضع الخلاف.
إن إسقاط زعماء عرب بارزين كحسني مبارك رئيس مصر، معمر القذافي حاكم ليبيا، زين العابدين بن علي رئيس تونس ورئيس اليمن علي عبدلله صالح، على خلفية هزة الربيع العربي، ساعد الظواهري وتنظيمه في الخروج من الأزمة التي ألمت بهم. فقد ضخت الصدمة دماً جديداً في عروق القاعدة والفصائل المتحالفة معها، والتي عززت صفوفها بعد أن فر الكثيرون من أعضائها من السجون في بلدانهم. ومنحت الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، والتي اجتذبت اليها آلاف المتطوعين المسلمين من أرجاء العالم، الظواهري وتنظيمه فرصة ذهبية للإعلان عن سوريا كـ «ساحة الجهاد» التالية وإيقاظ التجند الجماهيري بهدف تحقيق فكرة الجهاد العالمي من خلال المشاركة في القتال الجاري في هذه الدولة. ولكن، في الوقت نفسه، شكلت الهزة في الشرق الاوسط أيضاً نقطة انعطافة في علاقات القاعدة مع شركائها. فتنظيم القاعدة في العراق، بقيادة أبو بكر البغدادي، أدار له ظهر المجن. فقد تجاهل البغدادي مكانة الصدارة للظواهري وأقام تنظيماً جديداً باسم «داعش»، فيما ألحق بإمرته جبهة النصرة، الفرع السوري، وذلك بشكل أحادي الجانب ومن دون التشاور مع الظواهري أو تلقي الإذن منه لهذه الخطوة. جبهة النصرة، بقيادة أبو محمد الجولاني، رفضت الطلب الذي وصلها من العراق للولاء للبغدادي وأعربت عن تأييدها وولائها للظواهري. من هنا فصاعداً بدأت سلسلة انعطافات وانشقاقات في أوساط الموالين للقاعدة في سوريا، مما أثار الشك في قدرة الظواهري على قيادة «معسكر» القاعدة. وأعلنت جبهة النصرة بقيادة الجولاني، التي سارعت إلى الإعراب عن الولاء للظواهري في 2014 في أثناء المواجهة بينها وبين البغدادي، في تموز/يوليو 2016 عن تميزها عن القاعدة عقب ضغوط داخلية وخارجية للتنكر لقربها لهذا التنظيم وأعربت عن ذلك أيضاً من خلال تغيير إسمها إلى جبهة فتح الشام، وقد تمت هذه الخطوة، ظاهراً، بمباركة الظواهري، ولكن ما أن مرت الايام حتى تبين بأن من أذن بالتغيير، دون اذن الظواهري، كان نائبه، أبو خير المصري، الذي قتلته القوات الامريكية لاحقا. كما أن مسؤولين كباراً من بين رجال الدين المؤيدين للقاعدة، وعلى رأسهم أبو محمد المقدسي الاردني تحفظوا عن الخطوة بل وعرضوها كتحد لقيادة القاعدة وخرق الولاء أو البيعة للظواهري. وأعربوا عن التخوف من شرخ وحرب أهلية (فتنة) أخرى في أوساط مؤيدي القاعدة، مثلما حصل في أعقاب الانشقاق عن القاعدة بقيادة أبو بكر البغدادي. في كانون الثاني/يناير 2017، ولاعتبارات سورية داخلية، واصلت جبهة النصرة مساعيها لطمس صلتها بالقاعدة وغيرت إسمها إلى هيئة تحرير الشام. هذه الخطوة أثارت خلافاً شديداً آخر في صفوف التنظيم، بين المؤيدين لابراز الجانب السوري في التنظيم وبين مؤيدي القاعدة العالمية. وهدد اعضاء بارزون في التنظيم بالانسحاب من صفوفه وحاولوا إثارة أعضاء آخرين على التمرد. وقد اعتقل هؤلاء ومؤيدوهم لهذا السبب في أواخر 2017 بأمر من زعماء هيئة تحرير الشام. في أعقاب فشل الحوار بين الصقور ومحاولات الوساطة بينهم، بهدف حل الخلافات ومنع مزيد من الشرخ الداخلي في التنظيم في سوريا، تأسس في سوريا في بداية 2018 تنظيم جديد من نحو 11 فصيلاً انسحب من هيئة تحرير الشام، باسم حراس الدين. ومع ان كبار حراس الدين هم من مؤيدي القاعدة، إلا أن مدى تحكم الظواهري في هذا التنظيم الجديد ليس واضحا.
تقاتل التنظيمات السلفية الجهادية، الموالية للقاعدة في الماضي وفي الحاضر، الآن ضد جملة خصوم في سوريا، بينهم، من جهة، قوات الجيش السوري، روسيا، إيران وحزب الله ومن جهة أخرى تقاتل قوات الثوار، بينهم داعش وتحالف محلي جديد يسمى «جبهة تحرير سوريا»، بقيادة تنظيم أحرار الشام. بعض من الخلافات بين هيئة تحرير الشام وبين القاعدة ومؤيديها في سوريا نشبت حول علاقات هيئة تحرير الشام مع تركيا. وبينما تجري هيئة تحرير الشام اتصالات مع تركيا، كنتيجة لاضطرابات وضغوط شديدة بل وتهديدات تركية في الحرب ضدها، فإن موقف القاعدة والموالين لها في سوريا يرفض رفضا باتا هذه الاتصالات وهم يرون فيها انحرافاً أيديولوجياً خطيراً وخطأ استراتيجياً. ووجد هذا النهج تعبيره، ضمن أمور أخرى في أقوال الظواهري، الذي يرى في علاقة التنظيمات السلفية الجهادية مع الدول التي تتعاون مع النظام السوري، بما فيها تركيا، فخ عسل نهايته محملة بالمصيبة ومعروفة مسبقا، ولهذا فيجب الامتناع عنه بكل ثمن.
«معسكر» القاعدة في سوريا في مواجهة داخلية قاسية تهدد بقاءه وتخدم خصومه من كل ألوان الطيف. وحالة سوريا تطرح علامة استفهام على قدرة الظواهري والقاعدة على التحكم بما يجري في ساحات أخرى أيضاً، ينتشر فيها شركاؤهم وحلفاؤهم، وبالتالي فإن النهج السائد في أوساط الباحثين الأكاديميين والمحللين في أرجاء العالم حول تعزز قوة «معسكر» القاعدة، رغم انه ازداد عدديا بالفعل وانتشر في دول كثيرة في أرجاء العالم، يجب أن يراجع أيضاً في ظل فحص مدى تراص صفوفه، وحدته واستعداد رجاله لقبول قيادة القاعدة والظواهري. إسرائيل هي الأخرى مطالبة بأن تتابع التطورات المتعلقة بالتنظيمات المتماثلة مع تيار السلفية الجهادية، لانه رغم الخصومات والصراعات الشديدة الجارية بينهم وفي داخلهم، فإنهم كلهم يرون في إسرائيل وفي اليهود عدواً يجب القتال ضده. هذا القاسم المشترك من شأنه أن يدحر جانباً الخصومة بينهم في صالح الصراع ضد من يعتبر خصما مكروها تجب مهاجمته ما أن تلوح فرصة لذلك. ولكن بالمقابل، فإن إسرائيل وباقي المحافل التي تقاتل ضد الجهاد العالمي يمكنهم وينبغي لهم أن يستغلوا الخلافات الداخلية والنزاعات بين عناصر الجهادية السلفية كي يقاتلوهم ويستغلوهم في صالحهم، سواء على المستوى الاستخباراتي العملياتي أم على صعيد الوعي.

نظرة عليا 14/6/2018

هل يسيطر الظواهري على القاعدة؟

يورام شفايتسر وميكي لوزون وأفيعاد مندلبلوم



Source link

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: