معضلات على الحدود: عن الأخلاق والقانون والحرب

0


«الحقيقة هي الضحية الاولى للحرب»، قال في بداية القرن العشرين السناتور الأمريكي وورن جونسون. يعكس هذا القول بقدر كبير الواقع الذي يستخدم فيه الطرفان في النزاع الحربي الاكاذيب والدعاية لتبرير أعمالهما أمام مواطنيهما وفي أوساط الرأي العام العالمي، وإقناعهم بأن المسؤولية عن بدء الحرب وضحاياها ملقاة على الطرف الآخر.
هكذا مثلا، قالت سفيرة إسرائيل في بلجيكيا هذا الاسبوع في مقابلة تلفزيونية مع شبكة محلية ان كل الفلسطينيين الذين قتلوا في المواجهات قرب جدار القطاع كانوا إرهابيين حاولوا اجتياز الجدار من أجل المس بإسرائيل، وهو ادعاء يتعارض وبيان الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بأن «24 على الاقل من القتلى في المواجهات هم مخربون عملوا بالإرهاب في صفوف حماس والجهاد». فقد أفادت إحدى وسائل الاعلام أمس بأن مسؤولاً في حماس قال ان «50 من القتلى في الاضطرابات هم رجال المنظمة» ـ فانتمائهم تنظيميا لا يجعلهم تلقائيا ما وصفهم به الجيش الإسرائيلي بأنهم «مخربون عملوا بالإرهاب».
كما لم تكن لوزير الامن الداخلي جلعاد اردان مشكلة في استخدام التلاعبات اللفظية كي يتصدى لعدد القتلى الكبير. فعلى حد قوله، فان «عدد القتلى لا يعني شيئا. بالضبط مثلما هو عدد النازيين الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية لا يجعل النازية شيئا ما يمكن تفسيره أو تفهمه. الحقيقة هي واحدة». فالتشبيه بين النازية وحماس هو ادعاء يؤدي إلى تبخيس قيمة الكارثة ولا يخدم محاولة الوزير تبرير كمية القتلى.
وبخلاف اردان، فان الكثيرين في إسرائيل وفي العالم يعتقدون بأن عدد القتلى في المواجهات في القطاع بنار قناصة الجيش الإسرائيلي عال جدا ويتطلب فحصاً وتبريراً. فالحديث يدور عن أناس يتبنون فكرة انه تنطبق القيود حتى على الاعمال القتالية.
وحسب هذه الفكرة، تنطبق على الحروب قواعد سلوك اخلاقية بعضها منصوص عليه في أحكام الحرب في القانون الدولي. هكذا مثلا، التمييز بين المقاتلين وبين المدنيين. فالمقاتلون هم هدف مشروع في اثناء القتال، ولكن يجب الامتناع قدر الامكان عن المس بالمدنيين. وعليه فإن نار صواريخ القسام من حماس على سكان سديروت ليست مشروعة، وهكذا ايضا القصف من الجو على أهداف في غزة معروف انه يتواجد فيها مدنيون.
في المواجهة على حدود القطاع قتل في اوساط الفلسطينيين مقاتلون، كأولئك الذين حاولوا زرع عبوات ناسفة قرب الجدار، وهم بمثابة هدف مشروع. ولكن تقارير الاعلام (وهذا يفهم ايضا من اقوال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي) قتل بنار القناصىة ايضا متظاهرون غير مسلحين قاموا بأعمال احتجاجية، بعضهم في محاولة اقتحام الجدار. هل كان من الجدير إطلاق النار عليهم حين كانت النتيجة المأسوية موت بعض منهم.
من يرغب في أن يبرر لنفسه ولغيره ما حصل هذا الاسبوع على حدود القطاع يجب أيضا ان يستوضح إذا كان سلوك الجيش قد التزم بقاعدة قانونية واخلاقية هامة اخرى هي التوازن. وحسب هذه القاعدة فان الضرر (الهدم، القتل والاصابة) الذي يلحق في أثناء القتال يجب أن يكون متوازنا مع الهدف المنوي تحقيقه. هناك واجب للتقليص إلى الحد الادنى بكميات الهدم والاصابات. وهدف هذا المطلب هو الحماية من الهدم والمعاناة الزائدتين. هكذا مثلا في الاعمال الحربية محظور على طرف ما ان يقتل الطرف الثاني إذا كان يمكنه أن يحقق الهدف ذاته من خلال إصابته فقط.
اللواء احتياط عاموس يدلين برّر أمس على هذه الصفحة موقف الحكومة (الذي يحظى بتأييد جماهيري ايضا) فقال ان «… هذا ثمن باهظ ومحتم من قتل الابرياء ممن تحت حمايتهم ومن خلفهم يعمل مخربو حماس». وبرأي يدلين، فإن واجب الجيش الإسرائيلي لحماية مواطني الدولة والامتناع عن المس بالابرياء كان مخاطرة حقيقية للمس بمئات الاشخاص من الطرفين كنتيجة لتصعيد واسع». فهل كان قتل 60 فلسطينيا وإصابة أكثر من 1300 منهم بالفعل وضعا محتما؟ أولم يكن ممكنا حماية حدود إسرائيل بشكل متوازن أكثر ومأسوي أقل؟

يديعوت 17/5/2018

معضلات على الحدود: عن الأخلاق والقانون والحرب
يجب أن نستوضح إذا كان سلوك الجيش قد التزم بقاعدة قانونية وأخلاقية مهمة هي التوازن
يوسي دهان



Source link

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: