صفقة الشقاق

0


ها هو حدث ذو معنى كبير يختبئ خلف كواليس المساعي الأمريكية للترويج لخطة السلام الإقليمية التي تسمى «صفقة القرن»: السعودية حامية الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، طلبت لنفسها موطئ قدم ومكانة أيضًا في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، أي: الحرم.
إدارة ترامب، التي ترى في السعودية الحجر الرئيس في محور الدول العربية المعتدلة، والتي بدونها لن تقوم تسوية هنا، لم ترفض ذلك. أما الأردن، وهو مدماك آخر في المحور العربي المعتدل، والذي هو في اتفاق سلام مع إسرائيل في 1994م، والذي حصل على نوع من الوصاية على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس وأصبح عمليًا شريك إسرائيل الهادئ في إدارة الحرم ـ فقد صخب.
توجه الأردنيون بداية لإسرائيل في القنوات المتبعة. في إسرائيل حاولوا تهدئة روعهم. ثمة معاهدة لنا، قال الدبلوماسيون الإسرائيليون لمبعوثي عبد الله، ولكن الملك رفض أن يهدأ، وطلب منهم أن يتحدثوا مع الأمريكيين.
تحدثت إسرائيل مع الأمريكيين، وشددت على أهمية الأردن كذخر استراتيجي، إقليمي وأمني لإسرائيل، وكشريك يمكن العمل معه في مسألة الحرم المتفجرة. بل وفصلت سلسلة من أوجه التعاون في مجالات مختلفة بينها وبين المملكة الهاشمية، تعطي ثمارًا للولايات المتحدة أيضًا، ولكن الأجوبة التي جاءت من ترمب لم ترض عبد الله، فقد أراد تعهدًا لا لبس فيه بأن مكانته كــ «وصي على الأقصى» لن تتضرر.
من زاوية نظر الأردن، فإن هذه الوصاية، المنصوص عليها في معاهدة السلام مع إسرائيل، هي أحد المراسي القوية لمواصلة وجود المملكة، التي يتضعضع وضعها الاقتصادي؛ والتي يشكل فيها البدو والقبائل الموالية للأسرة المالكة أقلية بين السكان هناك. والفلسطينيون، بمن فيهم من الإخوان المسلمين، يشكلون مصدر قلق مستمر، وغير مرة يهددون الحكم.
ينبغي أن يضاف إلى هذا الشحنة التاريخية والخصومة طويلة السنين بين الأردن والسعودية على الهيمنة على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس. بعد الحرب العالمية الأولى خسرت السلالة الهاشمية أمام السعوديين منصب حامي الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، وواست نفسها بالوصاية الفرعية على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.
الحسين بن علي، الذي كان شريف مكة وأميرها، كان من السلالة الهاشمية التي يرى أجدادها أنفسهم من نسل النبي محمد، وقد مات في 1931م ودفن في الحرم. ابنه الثاني، الملك عبدالله الأول، قتل في المسجد الأقصى في 20 تموز 1951م على خلفية اتصالاته مع قادة الحاضرة اليهودية في بلاد إسرائيل. أما حفيده، الملك حسين الذي ورثه بعد وقت قصير من ذلك، فكان شاهد عيان في الاغتيال.
ملك الأردن الحالي، عبد الله، هو الابن البكر للحسين، وحفيد عبد الله الذي اغتيل في الاقصى، وحتى بعد أن وحدت إسرائيل شطري القدس في 1967م، واصل الأردن الحفاظ على الصلة بالحرم، وشغل ودفع اجور عاملي الأوقاف، واستثمر على مدى السنين الكثير من الأموال لترميم قبة الصخرة والأقصى.
هذا التاريخ يعرفه الأمريكيون ايضًا، ولكن عندما تلبثت الإيضاحات من واشنطن بالوصول، قرر عبد الله العمل بطريقة «عدو عدوي هو صديقي».
في الحالة المحددة، الصيغة الأدق كانت: عندما يتشارك عدوي معي في خصومة مريرة أكثر لعدو مشترك آخر، فإن عدوي النسبي يمكن أن يكون صديقي أيضًا.

لقاء المليارديريين

مرتين في الأشهر الأخيرة، كلف عبد الله، ملك الأردن، نفسه عناء السفر إلى تركيا. مرتين شارك في اجتماعات الطوارئ لمنظمة التعاون الإسلامي التي نظمها أردوغان الرئيس التركي في إسطنبول للاحتجاج على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
أردوغان ليس كأس شاي عبد الله، أبعد من ذلك. فالرئيس التركي يرى نفسه كأب الإخوان المسلمين في أرجاء العالم؛ بما في ذلك أولئك الذين في الأردن، الذين يهددون غير مرة استقرار حكم عبد الله.
غير أن الملك الأردني افترض بأن أردوغان، الذي يسعى علنًا إلى معقل له في القدس وفي الأقصى، فقد قلق مثله، أي من إمكانية أن يتركهما السعوديون إلى الوراء بدعم من الأمريكيين. فاللامبالاة السعودية ـ مقارنة بالغضب التركي ـ في ضوء نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلى جانب البلاغ السعودي لتركيا بأنها تلغي صفقة سلاح معها بمبلغ (2) مليار دولار، خلق نقاط التفاهم بين الاثنين. والتهديد السعودي لاحتلال الحرم أيضًا عززها. لقد كان تلميح عبد الله للأمريكيين شديد الوضوح: الأردن ليس في جيب ترامب، وهو ليس شريكًا تلقائيًا للمحور العربي المعتدل. وقد وصلت الرسالة. وكانت النتيجة لهذه اللقاءات أن خفضت السعودية بعدة مستويات الأحاديث عن وصايتها على الاماكن المقدسة في القدس. حاليًا على الأقل تخلت عنها. فللسعودية حدود طويلة مع الأردن، والأردن يمنع محافل متطرفة من التسلل إلى الأراضي السعودية. والمصلحة السعودية في وجود المملكة الهاشمية ذات الوضع الاقتصادي الصعب كبيرة لا تقل عن مصلحة إسرائيل.
فضلاً عن ذلك، فإن التظاهرات في الأردن والأزمة الاقتصادية العميقة هناك شجعت السعوديين على عقد قمة في مكة لحل مشاكل الأردن الاقتصادية العسيرة. وولد لقاء القمة هذا رزمة مساعدة للأردن بمبلغ (2.5) مليار دولار (من السعودية واتحاد الإمارات). التظاهرات في الأردن إلى جانب لقاءات عبد الله في تركيا، أدت إلى أن يحصل الأردن على إقرار متجدد من إسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة لمكانته في الحرم.
ومع ذلك، فقد طلب من الأردن أيضًا دفع ثمن، فالأردن يدفع الثمن لإسرائيل في التسليم العملي (غير الرسمي) بالارتفاع الهائل في عدد الزوار اليهود إلى الحرم. فيما أن التحفظ على هذه الموافقة واضح، الزيارات: نعم، الصلوات: لا. ولا يزال الأردن مطالبًا بتأييد فكرة إقامة العاصمة الفلسطينية في أبو ديس، التي على حدود الولاية الشرقية للقدس. حاليًا يعارض الأردن ذلك، وهو بالطبع مطالب بالتوقف عن التسكع مع محور الشر الذي يعتبر أردوغان اليوم جزءًا منه.
أما الآن، وبعد أن تنازلت السعودية، مؤقتًا على الأقل، عن مطالبتها بمكانة في الحرم، في إطار صفقة القرن، وعندما يكون الأردن ضمن ظاهرًا مكانته هناك، فإن السعودية والاردن تعودان مرة اخرى إلى التعاون في مواجهة النشاط التركي في القدس وفي الحرم. وكلتاهما أعربتا امام إسرائيل عن قلق من المكانة التي يكتسبها أردوغان لنفسه في شرق القدس وفي الحرم، من خلال ضخ الأموال من جمعيات تركية مثل «تراثنا»، «تيكا».

الإرهاب يخرج إلى النور

قبل نحو نصف سنة، بدأت قيادة الأمن القومي بجمع المواد عن الأموال التركية التي تضخ غلى شرق القدس. وكان الهدف المعلن هو محاولة التقليص قدر الإمكان من النشاط التركي في العاصمة، والمس بالقنوات المالية التي تضخ من المال التركي إلى المدينة.
والمشبوهون الفوريون في العلاقة مع هذه الجمعيات هم حماس والجناح الشمالي من الحركة الإسلامية. صلتهم الإيديولوجية بتركيا لا تحتاج إلى دليل، ولكن من أجل العمل ضد الجمعيات التركية مطلوب أدلة على اتصال ـ مالي أو غيره ـ محظور حسب القانون. معلومات كثيرة جمعت وهي تدرس الآن، وقريبًا ستعرض على المستوى القانوني والسياسي. قسم من المواد مأخوذ من مصادر علنية، فالتقرير الجديد الذي ينشره هذه الأيام بنحاس عنبري، الباحث في المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية، مأخوذ أساسًا من هناك، وهو يدل على تقارب محتمل بين قسم من الجمعيات التركية وفروع الإرهاب.
يروي عنبري بأن تركيا تسللت منذ الآن إلى المؤسسة الإسلامية الدينية في المدينة من خلال رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الشيخ عكرمة صبري، الذي بدأ حتى بلبس ملابس الشيوخ البيضاء التي تمثل المؤسسة الدينية التركية. وورد في التقرير بأن صبري يتمتع بخط مباشر مع الرئيس التركي أردوغان، وكثير من الناس في شرق المدينة يستخدمون خدماته كي يعقدوا اتصالاً مع السلطات التركية. يصب عنبري ضوءًا جديدًا، سواء على نشاطات صبري أم على نشاط السياحة التركية إلى الحرم. وحسب نتائج هذا البحث فإن المجموعات السياحية المنظمة تتشكل من اتراك عاطلين عن العمل يتلقون اموالاً على مشاركتهم في المشروع السياحي الذي له هدف واحد هو «احتلال الحرم».
هذه الحقائق ومعطيات الخلفية لا تقض مضاجع محافل الأمن الإسرائيلية فقط، بل وتقلق جدًا الأسرة المالكة الاردنية، التي تحاول الآن ـ كما أسلفنا ـ العمل مع إسرائيل والسعودية ضد المحاولات التركية لكسب معقل لتركيا في الحرم في البلدة القديمة.

إسرائيل اليوم 13/7/2018

صفقة الشقاق
قلق أردني على مكانة المملكة في الأماكن المقدسة يواجه الطموح السعودي والتركي فيها
نداف شرغاي



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.