المعركة لم تنته بعد

0


لقد عاش الشارع الغزي أمس «صدمة اليوم الثاني»، في يوم الثلاثاء بالذات، يوم النكبة، حين كان يفترض بحركات المقاومة، حماس والجهاد الإسلامي في غزة إلى جانب فتح في الضفة، اظهار كامل قوتها في الشارع، فلم تؤد دورها كما كان مخططا. بضع مئات من الفلسطينيين في قطاع غزة، لا سيما في منطقة البريج، وصلوا إلى الاسيجة وعربدوا بقوة القصور الذاتي. وكانت النتيجة حتى ساعات ما بعد الظهر: قتيل فلسطيني واحد وخمسين جريحا. وبمقاييس مظاهرات نهاية الاسبوع في الشهرين الاخيرين، بات هذا يكون يوما عاديا. وفي الضفة احصي نحو ألف متظاهر في 18 نقطة. وبخلاف التوقعات كان هذا ـ صحيح حتى كتابة هذه السطور ـ يوم النكبة الاكثر هدوءا الذي يمكن لإسرائيل أن تستدعيه لنفسها.
لم يقم بعد العبقري في الاعلام الذي يكون قادراً على أن يشرح للناس العاديين في العالم عدد 61 قتيلا و2850 جريحا في يوم واحد من المظاهرات. وإسرائيل لا بد ستدفع ثمن احداث أول امس. في المدى الفوري أحدثت هذه الاعداد صدمة في غزة. صحيح أن يحيى السنوار شجع شبان غزة على التفجر على الجدران، ولكن عندما تتراكم الجثث والمستشفيات تنهار، فان هذا دفع القيادة إلى التوقف والتفكير. ومن الخطاب في الشبكات الاجتماعية يظهر خلاف: هناك تيار في قيادة حماس يطالب بالانتقام ومواصلة دفع الشارع نحو الجدران، وعدم فقدان الزخم، وهناك تيار آخر يسعى إلى مراجعة الانجازات السياسية ـ الاقتصادية التي يمكن لحماس أن تستخلصها من ضحايا يوم الاثنين. يحتمل جداً أن تستأنف المواجهة. أمس في ساعات المساء وصلت مرة أخرى أنباء عن باصات جندت لتحريك الجماهير نحو الجدران. أما الجيش الإسرائيلي فبقي في حالة تأهب.
د. سفيان أبو زايدة، وزير شؤون الأسرى في السلطة سابقا، والذي يسكن في غزة، نشر أمس مقالاً يائساً تحت عنوان: «يا غزة، إلى أين تسيرين؟»، وعلى حد قوله، فانه إذا استمر الكفاح الشعبي على الجدار فستجد إسرائيل نفسها في وضع طواريء مستمر، وسينزلق الصراع إلى داخل القطاع وستنشأ «حرب مفتوحة» (دون قيد زمني) يتحمل فيها الشعب البسيط النتائج. وهو يوصي بتحويل الانجاز التكتيكي لأول أمس إلى انجاز استراتيجي: استبدال الضحايا بوقف عقوبات السلطة وبازالة الحصار.
وفي الحوار الداخلي الذي يدور بين النشطاء السياسيين المختلفين في غزة ـ فتح، الجبهة الشعبية، حماس ـ يتحدثون عن الصدمة، عن الوقت للانتعاش، عن اعادة حساب المسار، وبالاساس يتحدثون بغضب ومقت على السلطة الفلسطينية، التي تعد في نظرهم كمتعاونة مع إسرائيل. أما سكان الضفة فيصفونهم بالخونة، فمع أن أبو مازن أعلن عن ثلاثة ايام حداد، إلا أن الشارع الفلسطيني في الضفة يعمل كالمعتاد.
إسرائيل ومصر تتصرفان في الازمة بشكل مكشوف الواحدة تجاه الاخرى. فالمصريون يلعبون دور «الشرطي الطيب» وإسرائيل دور «الشرطي الشرير». في يوم الاحد عندما استدعي اسماعيل هنية إلى القاهرة، سمع من رئيس المخابرات المصري، الجنرال عباس كامل، تهديدا صريحا. فقد قيل له إن إسرائيل تعتزم توجيه ضربة عسكرية في عمق غزة، بما في ذلك ضرب قيادة حماس. وطلب المصري من رجال حماس عدم الاقتراب من الجدر كي لا يخدموا إسرائيل، واقترح عليهم، بدلا من ذلك، رزمة اقتصادية محترمة بشكل كهرباء وفتح اكثر سخاء ـ مرة في الاسبوع على الاقل ـ لمعبر رفح. كما اقترح أن يورد المصريون الوقود والبضائع التي نقلت حتى الآن في معبر كرم سالم. وفي الغداة اقترحت مصر حتى مساعدة طبية للجرحى في غزة.
للمصريين مصلحة بالهدوء إذ انهم يخشون استئناف العلاقة بين حماس والجهاد العالمي في سيناء. فضلا عن ذلك، سيطلب المصريون من إسرائيل الآن التعاون بجدية أكبر مع الخطة المصرية لاعادة الحكم في غزة إلى السلطة الفلسطينية. أما إسرائيل من جهتها فسارعت أمس إلى فتح معبر كرم سالم ونقلت عبره سبع شاحنات مع عتاد طبي لتقليص مدى لائحة الاتهام التي تكتب الآن ضدها في العالم. أما حماس فاختارت تجاهل أقوال رئيس المخابرات المصري وأدت إسرائيل أول أمس كما كان متوقعا، دورها كـ«الشرطي الشرير». منذ سنوات طويلة لم تظهر في سماء غزة طائرات قتالية تقصف في وضح النهار في عمق القطاع. وقدر المصريون بأنه إذا انتهت أحداث يوم الأثنين بعدد قليل من المصابين، ففي يوم الثلاثاء ستستمر العربدة. كان ينبغي لحماس أن تتلقى مطرقة ثقيلة كي تتوقف وتفكر. أما الآن فالجميع في حالة انتظار: هل ستستأنف حماس العنف اليوم، غداً، في نهاية الاسبوع، أو تنتظر لترى كيف ستستنفد التسهيلات التي توفرها لها مصر وإسرائيل. المعركة لم تنته بعد.

يديعوت 16/5/2018

المعركة لم تنته بعد
في الحوار الداخلي الذي يدور بين النشطاء السياسيين في غزة يتحدثون عن إعادة الحساب
اليكس فيشمان



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.