اللاسامية ماتت

0


لقد كانت هناك أسباب كثيرة لفوز نتاع برزيلاي في الاورفزيون. نتاع ملكت القلوب. لها شخصية جذابة. الرسالة النسوية الشديدة التي في فمها («أنا لست لعبتك») تعبر جيداً عن روح العصر. ولكن كان لهذا الفوز وجه آخر: يثبت أن اللاسامية انتهت.
نتاع الإسرائيلية انتخبت بتصويت شعبي في أرجاء أوروبا. لست على يقين من أن كل من صوّت لصالحها أراد أن يعبر عن حبه لإسرائيل، أو تعاطفه مع اليهود. ولكن من المؤكد تماما أن أي شخص يكره إسرائيل و/ أو اليهود لم يكن ليصوت لها. هذه بشرى صعبة لبنيامين نتنياهو. كل حياته السياسية ترتكز على وجود اللاسامية. نحن محاطون بالأعداء. العالم كله يتآمر من أجل إبادتنا، وفقط بيبي ينقذنا منهم. ولكن هناك لاسامياً واحداً يسكن حقاً أمام مدخل بيتنا. يسمّونه أبو مازن، اسمه الحقيقي هو محمود عباس وهو من مواليد صفد، هو زعيم الشعب الفلسطيني. واذا كان لاسامياً فكل الشعب الفلسطيني لاسامي، لهذا مسموح لنا قمعه. هكذا فهمت من مقال البروفيسور شلومو افينري («هآرتس»، 11/5).
أتذكر ذات مرة قبل سنوات، اتصل بي رئيس حكومة النمسا في حينه برونو كرايسكي، كان له طلب مستعجل. شلومو افينري كان سيلقي محاضرة احتفالية في القصر الملكي في فيينا، وقد قام بالغائها في اللحظة الاخيرة. كرايسكي طلب مني أن أحل محله. بالطبع سارعت إلى فيينا. في قاعدة القصر تجمعت النخبة الثقافية في النمسا. كرايسكي نفسه قدمني قائلا «بين افنيري وافينري يفصل أكثر من حرب الياء».
أجل، يفصل بيننا أكثر بكثير. من بين هذه الامور، الرأي حول الخطاب اللاسامي لأبو مازن. سأستبق وأقول: هذا الخطاب من المفضل لو أنه لم يلق البتة. وبالتأكيد ليس أمام البرلمان الفلسطيني. السياسيون يجب عليهم العمل بالسياسة وليس بالتاريخ. ولكنني لن أتأثر كثيراً من خطابه هذا.
لقد تعرفت على أبو مازن قبل 35 سنة تقريبا. في إحدى زياراتي عند ياسر عرفات في تونس وبعد بضعة أشهر من لقائنا المشهور في بيروت المحاصرة، طلب مني الالتقاء مع محمود عباس ايضا، كان هذا بعد حصول الأخير على شهادة الدكتوراه من معهد سوفييتي في موسكو. هناك رضع القرارات التاريخية التي أغضبت جداً افينري (الذي تعلم في جامعة شيوعية في برلين الشرقية)، والكثير من الإسرائيليين.
هيا نفحص هذه الادعاءات واحداً واحداً، كما عدها افينري نفسه في مقاله.
1 ـ «من القرن الحادي عشر وحتى الكارثة تم تنفيذ مذابح ضد اليهود في كل الدول الاوروبية… بسبب دورهم الاجتماعي والاقتصادي وعملهم في أعمال البنوك والربا وما شابه».
أقوال أبو مازن هذه هي مبسطة، لكنها حقا ليست أصيلة. على مدى مئات السنين عمل اليهود حقا في أعمال البنوك وإعطاء القروض بالربا. أبناء اوروبا لم يرغبوا في العمل بالربا، وكان لليهود أفضلية كبيرة: لأنه يوجد يهود في كل الدول، كان من السهل عليهم نقل الاموال من دولة إلى أخرى. الصهيونية كرهت التعامل بالاموال. هرتسل كتب أموراً لاسامية لا تقل عن أقوال أبو مازن. والدي كان رجلاً بنكياً في المانيا ولم يرغب بأي صورة في الاقتراب من هذه المهنة في البلاد.
2 ـ «(أبو مازن) قرر هذا الادعاء المجنون لأن اليهود الاشكناز… هم أحفاد الخزر وليست لهم صلة ببني إسرائيل التاريخيين».
أمر هام. هذه النظرية اللاسامية بأن اليهود الاشكناز هم خزر تهودوا، سمعتها من البروفيسور شلومو زاند من جامعة تل ابيب، وقبل ذلك قرأتها في كتاب الكاتب اليهودي آرثر كستلر، وحتى هو لم يكن الأول.
عندما احتلت المسيحية أوروبا، اضطرت القبائل الاثنية إلى اعتناق المسيحية، لكن سمح لهم بدل ذلك التهود. الكثيرون اختاروا هذا الخيار. على الاقل جزء من اليهود الاشكناز هم أحفاد المتهودين، من الخزر وغيرهم. بالمناسبة، والدي الذي تعلم في صباه اللاتينية وقرأ كتاب يوليوس قيصر عن حربه في غاليا (فرنسا) قال إن عائلتنا جاءت من المانيا من جيوش قيصر. للأسف لا يوجد دليل على ذلك.
3 ـ «حسب رأي (أبو مازن)، الصهيونية هي بشكل عام نتيجة مؤامرة امبريالية وليست تعبيراً عن رغبة اليهود في العودة إلى أرض إسرائيل.
هل حقا هذا! هل نسي البروفيسور المحترم وعد بلفور، ذروة الامبريالية البريطانية التي كانت في أوجها؟ هل نحن لا نعمل الآن بتنسيق وثيق مع الامبريالية الأمريكية ودعم الامبريالية الروسية؟ لكن من الواضح أن الصهيونية لم تكن ستنجح لو لم يرغب على الاقل جزء من اليهود في «العودة إلى أرض إسرائيل» بعد عطلة قصيرة مدتها ألفا سنة.
4 ـ «(أبو مازن) يصف «اتفاق التحويل»، الذي مكّن يهود المانيا من إخراج جزء من أملاكهم إلى ارض إسرائيل بعد العام 1933، كتعبير عن دعم النازيين لاقامة دولة لليهود… بعد ذلك قال إن 60 ألف يهودي ثري من المانيا هاجروا إلى البلاد وأحضروا معهم كل املاكهم».
رجال الحركة التنقيحية ـ أجداد بنيامين نتنياهو ـ شتموا هذا الاتفاق واعتبروه خيانة. الحقيقة هي أن النازيين أرادوا في تلك السنين تسريع هجرة اليهود، واعطاء زخم للصناعة الالمانية. اليهود استطاعوا تحويل اموالهم فقط على شكل بضائع المانية. الاتفاق مكّن والدي من إخراج مبلغ كبير من المانيا (الذي خسره في البلاد بسرعة كبيرة). ايضا ادعاء أن الصهاينة تعاونوا مع النازيين ليس جديداً. لقد اتهم اليمين الإسرائيلي كستنر بهذه التهمة. وكستنر هو صهيوني هنغاري، يبدو أنه تعاون مع ادولف آيخمان. وبسبب هذا الادعاء تم قتل كستنر.
افينري لم ينس التذكير بأنه «من بين باقي اقوال الهراء التي قالها عباس هي أن ستالين كان يهوديا، هذا بالطبع هراء ستالين كان تقريبا هو الوحيد من القيادة الشيوعية الاصلية الذي لم يكن يهوديا. يقولون إن تروتسكي اليهودي قاد ذات مرة والديه في اروقة الكرملين وعندما رأى لينين قال لوالديه «غير اليهودي هذا هو الذي يسجل على اسمه هذا العمل».
باختصار، خطاب أبو مازن كان خطاباً مستفزاً وزاهداً أيضاً، لكن لم يكن فيه أي أمر أصلي. من الواضح أن أبو مازن لا يحب الصهيونية، لذلك يصعب علينا الادعاء ضده. ولكن انتقاد افينري مبالغ فيه قليلا. أبو مازن هو زعيم الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية في هذه المرحلة التي لا يستطيع الفلسطينيون فيها فعل الكثير عدا الصمود. أبو مازن ايضا يتعاون مع القوات الأمنية الإسرائيلية وهذا بالتأكيد أهم من كل الخطابات. هذا الاسبوع عندما انتفض الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بقيت الضفة الغربية هادئة.
أنا آمل أنه في يوم ما ستقوم قيادة فلسطينية شابة وحيوية تتحدث بلغة مختلفة تماماً.

هآرتس 17/5/2018

اللاسامية ماتت
الأقوال التي قالها عباس في خطابه والتي اتهم بسببها بمعاداة اليهود لم تكن جديدة
أوري افنيري



Source link

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: