إذا نجحت صفقة القرن الإيرانية فإن تل أبيب ودمشق ستبتسمان

0


لعلي أكبر ولايتي مكانة خاصة في إيران، فهو رجل المهمات السرية لعلي خامنئي، ففي كل مرة يحتاج فيها الزعيم الأعلى لرجل مخلص جدًا وكاتم للأسرار وحكيم ومحافظ، ويعرف جيدًا ما يدور في خلده. ولايتي (73 سنة) شغل منصب وزير الخارجية لمدة أكثر من (16) سنة، في ظل رؤساء محافظين وأقل محافظة، ويعرف جيدًا معظم زعماء العالم، وكان عقد صفقات مع عدد منهم، مثل تدخله في قضية «إيران غيت» في الثمانينيات. وهو متهم بأنه خطط مع خامنئي وآخرين العملية في المركز اليهودي في بوينس آيريس في العام 1994م.
في دراسته الأكاديمية هو طبيب أطفال، تلك المهنة التي مارس اختصاصها في جامعة جونز هوبكنز بأمريكا، وبفضلها جنى أموالًا بإقامته مستشفيات خاصة في إيران. هو مقرب جدًا للشخصيات التي تدير الاقتصاد في إيران وحرس الثورة الإيراني، واسمه يظهر في قائمة مجالس إدارة شركات حكومية كبيرة في إيران.
هذا هو الرجل الذي أرسله خامنئي، هذا الأسبوع، إلى موسكو أثناء زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هناك. البيانات الرسمية التي نشرتها إيران إشارت إلى أن ولايتي سافر إلى روسيا للتباحث مع الرئيس بوتين حول «مشكلات المنطقة والتعاون بين روسيا وإيران». في ظروف أخرى أقل حساسية، فإن مهمة كهذه كانت ستلقى على وزير الخارجية محمد جواد ظريف، إلا أن ظريف الذي أدار بسيطرة كبيرة المفاوضات حول الاتفاق النووي، لا يحدد الاستراتيجية ولا يملي سياسات في إيران، إضافة إلى ذلك هو رجل روحاني ويعدّ من التيار الإصلاحي. أما الآن، حيث إيران تقف في مفترق طرق لحسم المواضيع المبدئية التي تمس مستقبل سياسة إيران، فإن ولايتي هو من دخل إلى العمل.
بحث ولايتي في موضوعين أساسيين مع القيادة في روسيا، يتمثل الأول في المطلب الإسرائيلي بسحب قوات إيران من سوريا أو على الأقل سحبها إلى عمق سوريا بعيدًا عن الحدود مع إسرائيل. أما الثاني فيتعلق بالعقوبات التي فرضها الرئيس الأمريكي ترامب على إيران، وهذان الموضوعان لا ينفصلان عن بعضهما. فإذا كان المخطط لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يعرف بـ«صفقة القرن» من قبل ترامب، فإن مكانة إيران في حينه هي «الصفقة الإقليمية» الأهم.
العقوبات الأمريكية تؤثر بصورة دراماتيكية على الاقتصاد الإيراني؛ ثمة شركات أوروبية بدأت في تقليص أو تجميد نشاطاتها في إيران، منها شركات نقل بحري مثل «مارسيك» الدانماركية التي انضمت إليها هذا الأسبوع الشركة الثالثة في حجمها في العالم في المجال البحري «سي.ام.اي ـ سي.جي.ام». أما الهند وكوريا الجنوبية واليابان فأعلنت بأنها ستقلص شراء النفط من إيران، أما دول الاتحاد الأوروبي ـ التي يئست من إنقاذ الاتفاق النووي ـ فلم تنجح حتى الآن في بلورة سياسة موحدة ضد العقوبات الأمريكية. عمليًا، حتى لو نجحت في استخراج خطة تضمن أموال الشركات الكبرى، فإن حكومات أوروبا لا تستطيع أن تبدد خوف هذه الشركات من العقوبات الأمريكية.
إن فقدان أسواق النفط في بداية تشرين الثاني/نوفمبر القادم هي المشكلة الأكبر بالنسبة لإيران، وإذا قدرت بأن خروجها من السوق سيؤدي إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط، فهي تدرك أن تحالفًا لا يرحم يقف ضدها، تعمل فيه السعودية وروسيا معًا؛ فالأولى تعهدت بزيادة إنتاج النفط من أجل التغطية على الـ (2.5) مليون برميل يوميًا التي تنتجها إيران يوميًا، وكذا روسيا التي وقعت على صفقات غاز مع السعودية فقد أعلنت بأنها ستزيد كميات النفط التي تستخرجها.
ولايتي وجد نفسه في موقف حرج، كمن يتوسل من أجل بلاده أمام رئيس روسي يستعد لعقد قمة بعد ثلاثة أيام مع نظيره الأمريكي الذي سيطلب منه رفع العقوبات عن روسيا، التي فرضت عليها في أعقاب الحرب في أوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم.

لا توجد هدايا بالمجان

في جولة اللقاءات هذه، ليس هناك هدايا بالمجان، إذ ليس واضحًا إذا كان ترامب سيوافق على العمل لرفع العقوبات عن روسيا كما تشجعه على ذلك السعودية وإسرائيل واتحاد الإمارات، حسب تقرير في مجلة «نيويوركر». إذا عمل ترامب في هذا الاتجاه، كما تشير تصريحاته الأخيرة، فإنه سيطلب من روسيا العمل من أجل سحب القوات الإيرانية من سوريا. أو على الأقل إبعادها إلى مسافة (80 كم) عن الحدود الإسرائيلية.
تظهر التقارير التي وصلت من موسكو بعد لقاء بوتين ونتنياهو، أن روسيا حقًا تنوي العمل من أجل سحب القوات الإيرانية، مقابل تعهد إسرائيل بعدم المس بالأسد ونظامه، إلا أن الموافقة الإسرائيلية على شرط روسيا ليست دراما كبيرة. فرغم تصريحات وزراء إسرائيليين هددوا بالمس بالنظام السوري، فإن لإسرائيل مصلحة كبيرة في استمرار بقاء الأسد وسيطرته الكاملة على سوريا والعودة إلى اتفاقات الفصل من 1974م التي وقع عليها والده. إسرائيل تعارض دخول قوات الأسد إلى هضبة الجولان السورية من أجل السيطرة على بقايا المليشيات التي تعمل فيها، ولكنها توافق على أن تعمل قوات شرطية روسية في هضبة الجولان إلى حين خلق الظروف التي تسمح بعودة مراقبي الأمم المتحدة إلى المنطقة.
تعهد كهذا، الذي لا يكلف إسرائيل أي شيء، يمكنه ربما أن يعطي بوتين ذخرًا سياسيًا عند قدومه لإقناع إيران بالانسحاب، ومع ذلك فإن إسرائيل تطالب بالمزيد. وحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن إسرائيل تريد من روسيا أن ترسم خطة سياسية لما بعد الحرب، تمنع فيها سوريا أن تتحول إلى معبر للسلاح بين إيران وحزب الله. المقابل الإسرائيلي الحقيقي لروسيا من المتوقع أن يأتي من واشنطن التي على إسرائيل إقناعها من أجل تمهيد المصالحة الدولية مع روسيا، وربما البدء في إلغاء جزء من العقوبات.
في التطرق إلى هذا السيناريو، فإن لإيران القليل من الأوراق، تستطيع طهران أن تعلن عن انسحابها من الاتفاق النووي وأن تجدد تخصيب اليورانيوم، وهكذا تخاطر بشرخ علني مع روسيا، ومع حليفتها المهمة الصين، وحتى أن تقف مرة أخرى أمام تهديد بهجوم عسكري. وثمة احتمال آخر يتمثل في الموافقة على الانسحاب من الحدود الإسرائيلية وسحب جزء من قواتها من سوريا، لكن خطوة كهذه ستبقيها تحت نظام العقوبات الأمريكية وفي أزمة اقتصادية ستأخذ بالتعمق. أما السيناريو الثالث فيتحدث عن إمكانية أن توافق إيران على إبعاد قواتها عن الحدود مقابل إجراء مفاوضات على اتفاق آخر يتناول خطة الصواريخ البالستية التي ليس بالضرورة أن تحل محل الاتفاق النووي. ولهذه الخطة احتمال في أن تحظى بدعم روسي وأوروبي، ويمكن أن تلبي مطالب ترامب وأن تعرضه كبطل سياسي لم يخضع لإيران، بل أجبرها على أن تحني رأسها.

السياسة هي التي ستحسم

المشكلة في احتمالات كهذه هي أن ما يمكنه أن يلبي مطالب ترامب ونتنياهو ما زال بعيدًا عن النوايا الإيرانية. وكما أن السياسة في إسرائيل يتم املاؤها على أيدي الضغط السياسي، فهكذا إيضًا في إيران؛ فإن ميزان القوى الداخلي هو الذي يحدد النتائج على الأرض. ساحة الصراع السياسي في إيران توصف في الغرب بصورة مبسطة وكأنها ساحة يتنافس فيها محافظون أمام إصلاحيون، حيث من جهة يقف خامنئي، وقائد حرس الثورة محمد علي جعفري، وقائد قوة القدس قاسم سليماني، وفي الجهة الأخرى يوجد الرئيس روحاني ومعظم أعضاء حكومته.
في هذين المعسكرين تجري صراعات قوة لا تمس بالضرورة المصالح الوطنية. قبل نحو شهرين، نشرت في إيران تقارير متناقضة تفيد بأن خامنئي ينوي إقالة سليماني وتعيين قائد آخر لقوة القدس.
في المقابل نشرت تقارير تفيد بأن سليماني يحتمل أن يحل محل جعفري. كل واحد منهما أعلن أن علاقته مع زميله ممتازة، لكن تقارير في الشبكات الاجتماعية قالت إن الجعفري اشتكى لخامنئي بشأن الفساد الكبير الذي يسود في صفوف قوة القدس، وعن إهدار مليارات الدولارات وصفقات عقارية مشكوك فيها. القائدان عارضا الاتفاق النووي ولم يظهرا في احتفال تتويج الرئيس روحاني. رئيس إيران نفسه الذي شن هجومًا قاسيًا على حرس الثورة ـ أساسًا بسبب الضرر الاقتصادي الذي تسببه للدولة ـ حول مؤخرا جلده عندما أعلن أن إيران ستغلق مضيق هرمز أمام حركة حاملات النفط إذا منعت إيران من تصدير النفط. وعن هذا التصريح، حظي برسالة ودية من سليماني كتب فيها: «أنا أقبل يدك من أجل هذا التصريح الحكيم والصحيح. نحن ندعم كل سياسة تساعد المؤسسة الإيرانية»، أي الحكومة. لا تسود بين الاثنين محبة كبيرة، لكن روحاني يعرف جيدًا ما عليه عمله من أجل أن يظل باقيا.
علاوة على ذلك، فروحاني سيضطر إلى تغيير عدد من الوزراء على ضوء الضغط الكبير الذي يستخدمه ضده المحافظون، الذين دعاه عدد منهم للاستقالة بسبب المشكلات الاقتصادية في الدولة. يبدو أن محمد بكر كليباف سيعين في وظيفة أحد نوابه، الذي كان رئيس بلدية طهران خلال أكثر من (12) سنة، وهو أحد رجال حرس الثورة السابقين ومقرب من قائد الحرس. تعيين كهذا من شأنه أن يقلل من قدرات روحاني على مواصلة الدفاع عن الاتفاق النووي، وتوسيع تأثير حرس الثورة على الحكومة التي تعتبر داعمة للإصلاحات، وتعزيز الخط المتشدد الذي يعارض المفاوضات مع أمريكا والغرب بشكل عام. الحسم سيكون حتما لخامنئي، الرجل الذي صادق على المفاوضات على الاتفاق النووي وأمر بالتوقيع عليه وأيده، لكنه سيضطر إلى الحسم بين مصالح الدولة ومصالح النظام.
هذا هو المفترق الذي فيه مصالحة روسية أمريكية تؤدي إلى تنسيق سياسي بينهما يمكنها أن تحدد استمرار الخطوات الإيرانية. في الوقت الذي يعلن فيه كبار الإدارة الأمريكية بأنهم يسعون إلى إسقاط النظام في إيران، وحيث روسيا تدافع عن الأسد حليف إيران الذي يمكن أن يُؤْمِن نظامه استمرار نفوذها ـ حتى بدون وجودها العسكري على الأرض ـ هناك احتمال أكبر لسيناريو تثمر فيه الخطوات الدبلوماسية نتائج مرغوبة لإيران والغرب وإسرائيل.

تسفي برئيل
هآرتس 13/7/2018

إذا نجحت صفقة القرن الإيرانية فإن تل أبيب ودمشق ستبتسمان
صراعات القوة الداخلية بين كبار شخصيات النظام هي التي ستحسم وجهة طهران
صحف عبرية



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.