أدمغتنا مغسولة لكننا لا نبدو كذلك!

0


هذا مذهل. علماء النفس عديمو الضمير يعملون لدى نظام خبيث، يستخدمون تقنيات دقيقة من أجل السيطرة عن بعد بدماغ الانسان. مفهوم «غسل الأدمغة» ولد في العام 1950 وهو مفهوم صيني (شيناو غسل الدماغ) الذي هدف في الاصل إلى وصف التقنية التي كما يبدو استخدمها خبراء من الصين مع أسرى حرب أمريكيين في الحرب الكورية. لقد غيروا طريقة تفكير الاسرى وحولوهم بدون علمهم إلى خادمين لأهداف ظلامية.
من السهل غسل دماغ الانسان، وحتى دماغ شعوب بأكملها. «الدعاية» النازية تشكل مثالاً كلاسيكياً. جوزيف غابلاس «وزير الدعاية» حوّلها إلى فن. من بين أمور أخرى حول كل وسيلة إعلام في المانيا إلى أداة بيد النظام فقط. بالالمانية يسمّى هذا غلايخ شالتون، أي الجمع معا. أي ربط كل الادوات في خط كهرباء واحد. الدعاية الرسمية ظهرت في كل وسائل الاعلام. المواطن لم يسمع ولم يقرأ أي رواية أخرى. الاستماع لقنوات الراديو الاجنبية اعتبرت جريمة خطيرة. هذا حدث عندما واصل الالمان تصديق «الانفصال النهائي» حتى عندما داست أقدام الجيش الاحمر في الشرق وقوات التحالف في الغرب الارض الالمانية. هل الأمر يحتاج نظاماً ديكتاتورياً لتحويل وسائل الاعلام إلى آلة لغسل الأدمغة؟ المنطق يقول إن هذا غير ممكن في الديمقراطية. المنطق مخطىء.
يجدر تذكر أن هتلر صعد إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية. أيضاً الآن يصل في العالم الغربي زعماء من اليمين المتطرف إلى السلطة بواسطة انتخابات ديمقراطية. كل هؤلاء الزعماء يعملون باجتهاد من أجل تصفية المحكمة وملء البرلمان بأدوات غبية، وبالاساس تحويل وسائل الاعلام إلى آلة لغسل الادمغة مثلما هو الامر لدينا.
كيف يقومون بذلك؟ هذا بسيط جداً: أ- يسكتون الاصوات المعارضة. ب- يهتمون بأن يسمع المواطن رأياً واحداً فقط. ج- يكررون إلى درجة مخجلة عدة شعارات اساسية. هكذا يتحول الكذب إلى حقيقة. في هذا الوضع المواطن متأكد من أن الرأي الرسمي هو حقا رأيه الشخصي. هذه عملية غير مدركة. عندما يقولون للمواطن إنه مغسول الدماغ هو يشعر بالإهانة. هذا يحدث في إسرائيل في السنوات الاخيرة. المواطن لا يدرك ذلك لأنه يغذى بتنوع واسع من الصحف وقنوات الراديو والتلفاز. ظاهريا وسائل الاعلام تتنافس في ما بينها وحتى أنها تتشاجر في ما بينها. المواطن لا يدرك أنه في الموضوع المركزي لوجودنا الحرب والسلام كل وسائل الاعلام «مربوطة بخط» غسل الادمغة. في الأسابيع الأخيرة قدم لنا مثال كامل عن هذه الظاهرة: الإيرانيون في حدود قطاع غزة. هيا نفحص أنفسنا. ماذا سمعنا في الراديو؟ ماذا شاهدنا في التلفاز؟ ماذا قرأنا في الصحف؟.
خلال بضعة أسابيع قتل أكثر من 100 مواطن في قطاع غزة وأُصيب بالنار الحية الآلاف.
«لقد اضطررنا لإطلاق النار لأنهم اقتحموا الجدار»، هذا منطقي تماما حيث أن الغزيين سمّوا مظاهراتهم «مسيرة العودة». أي العودة إلى أرض إسرائيل. ولكن في «يوم الاثنين الاسود» في 14 أيار/مايو، قتل 63 متظاهراً غير مسلح وأُصيب نحو 1500 بالنار الحية. كل مواطن يعرف أن هذا كان مطلوبا لأن المتظاهرين اقتحموا الجدار وكانوا سيغرقون إسرائيل. لم يلتفت أحد إلى عدم وجود أي صورة توثق ذلك. رغم وجود مئات المصورين في الطرفين بمن فيهم مصورو الجيش الإسرائيلي الذين صوروا كل شيء بالتفصيل. عشرات الآلاف اقتحموا ولا توجد أي صورة لذلك؟.
يجدر الانتباه إلى استخدام كلمة «إرهاب». لقد تحولت إلى صفة التصقت بكل شيء. ليس هناك مجرد أنفاق، توجد أنفاق إرهاب، يوجد «نشطاء إرهاب». توجد «سلطة إرهاب حماسية»، توجد «قواعد إرهاب» وتوجد «شعارات إرهاب». الآن توجد طائرات ورقية إرهابية. وبالطبع كل من التصقت به كلمة إرهاب هو «محكوم عليه بالموت» (حتى يأتي مفهوم أجمل هو غسل الادمغة). سكان غزة «مخربون»، جميعهم؟ بالطبع، ما هذا السؤال، كل عناصر حماس. لكن حماس هي حزب فاز بالغالبية في انتخابات ديمقراطية. هي حزب مدني. يوجد له جناح مسلح. ولكن في وسائل إعلامنا كل اعضاء الحزب المؤيدين هم «مهربون يستحقون الموت».
إن استخدام هذه الكلمات مئات المرات في اليوم يشكل غسل دماغ واضحاً. بدون أن يشعر المواطن بذلك. هو اعتاد أن يعتبر كل الغزيين «إرهابيين». هذه عملية لنزع الانسانية، خلق «تحت انسان» باللغة النازية التي قتلهم مسموح وحتى مرغوب فيه.
في هذا الجو فإن جمل مرعبة حقاً تمر وكأنها مفهومة من تلقاء ذاتها. مثلا الجملة التي سمعتها في الاسبوع الماضي من مراسل عسكري في التلفزيون: «(في المظاهرة القادمة) إيران تريد قتلي، ويبدو أنها ستحصل على ذلك». يجدر التفكير بهذه الجملة مرة أخرى. هي تقول إنه فعليا قناصة الجيش الإسرائيلي يعملون في خدمة المصالح الإيرانية.
أو جملة تكرر نفسها شفهيا وخطيا «إيران تريد تدميرنا». نحن لا نعرف ماذا يريد الـ 80 مليون من سكان إيران. الجملة نفسها مضحكة. إسرائيل هي دولة نووية، كيف يمكن تدمير دولة نووية؟ هل الإيرانيون مستعدون لتحويل بلادهم، وهي إحدى أمهات الثقافة الانسانية، إلى مقبرة؟ أو جملة «في يوم السبت يتوقع مظاهرة أخرى عنيفة». «عنيفة»؟ «أيضاً»؟ كل المظاهرات في إطار «مسيرة العودة» كانت غير عنيفة، لم تطلق فيها أي رصاصة من المتظاهرين. لكن الجملة الكاذبة تمر كأمر مفهوم ضمنا.
الامور وصلت إلى الذروة، ووصلت إلى الممرضة رزان النجار، المتطوعة إبنة الـ 22 عاماً، التي قتلت على بعد أمتار عن الجدار أثناء محاولتها إنقاذ جريح. القناص الذي أطلق النار عليها رأى أنها ممرضة وأنها تعالج الجرحى. قتلها كان جريمة حرب.
هل ثار هناك احتجاج عام؟ هل خرجت الصحافة عن طورها من أجل المطالبة بتحقيق؟ هل خصصت الصحف لهذه الحادثة العناوين الرئيسة؟ هل أعضاء الكنيست طلبوا الوقوف دقيقة صمت؟ شيء من هذا لم يحدث. أخبار قليلة في الصحف (ليس فيها جميعها)، مقالات عميره هاس وجدعون ليفي في «هآرتس»، وهذا كل شيء. نعم، ثارت عاصفة دولية، ومغسولو الادمغة رأوا أنه لا يمكن أن لا نرد. عندها أعلن المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أنه تم اجراء تحقيق، وماذا كشف التحقيق. إن أحداً لم يطلق النار بشكل متعمد على الممرضة، لقد أُصيبت بشظية رصاصة أصابت الارض بعيدا عنها. حتى أن صندوق الجيش الإسرائيلي يجب عليه أن يخجل من هذه الرواية. ولكن في أوساط الجمهور مغسول الدماغ هذا مر بهدوء. آدم كيلر، المتحدث بلسان «كتلة السلام»، نشر في وسائل الاعلام «أغنية للممرض» التي كتبها دان المغور في 1956 عن ممرض عالج مصاباً تحت اطلاق النار وقتل. هذه أغنية تثير المشاعر إلى درجة ذرف الدموع والتي يغنيها يورام غئون. الممرض هنا تحول إلى ممرضة ولم تكن حاجة لتغيير أي كلمة أخرى.
ما الذي يمكن عمله ضد جهاز كهذا لغسل الادمغة؟ ليس الكثير. أولاً وقبل كل شيء: يجب خلق صوت آخر. غسيل الدماغ يكون فعالاً فقط عندما يحظى الصوت الرسمي باحتكار مطلق. هذا كان الهدف الرئيس لـ هعولام هزيه» على مدى الاربعين سنة التي توليت فيها تحريرها. أمام كل رواية حكومية كاذبة نشرنا رواية مناقضة. صوتنا كان ضعيفا أمام الالة الحكومية الضخمة (حتى في حينه)، لكن مجرد حقيقة أن هناك صوتين، يمنع غسل الادمغة المطلق. المواطن يبدأ بالتفكير ويسأل «من هو على حق؟».
إذا أنشأت كل منظمات السلام وحقوق الانسان في إسرائيل معاً مركزاً إعلامياً في إسرائيل بحيث يسمع صوته، ربما يكون بالامكان كسر مؤامرة الوحدانية للدعاية الرسمية. ربما.
يوجد في البلاد عدد قليل من الكتّاب والمحللين الذين لا يخشون من قول الحقيقة، حتى عندما يعتبر هذا خيانة. يجب الاهتمام بأن يتم إسماع صوتهم، يجب تشجيعهم بإظهار الدعم علناً. يجب الطلب من كل وسائل الاعلام تخصيص مساحة مناسبة لبيانات من الجانب الثاني، «العدو الداخلي»، التي تناقض بيانات الدعاية الرسمية من أجل إعطاء المواطن إمكانية للموازنة. يجب تمكين وسائل الاعلام الاجنبية من الوصول الحر إلى المعلومات، حتى عندما تكون الصحافة الاجنبية انتقادية، «معادية، لاسامية» وماذا بعد. يجب تشجيع دعاة السلام الإسرائيلي الفلسطيني في أرجاء العالم على الضغط على وسائل الاعلام المحلية لديهم كي تقوم بإصدار تقارير حقيقية حول ما يجري في البلاد. انا لا أحب كلمة «يجب» في هذا السياق، لكن لا توجد كلمة أخرى.
قوة الحقيقة أمام ماكينة رسمية لغسل الادمغة دائما قليلة، لكن في نهاية المطاف الحقيقة تنتصر، حتى لو استغرق هذا وقتاً واحتاج إلى شجاعة.

هآرتس 14/6/2018

أدمغتنا مغسولة لكننا لا نبدو كذلك!

أوري أفنيري



Source link

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: