«يا حلوة يا شايلة البلاّص».. كيف جسد الريس متقال الفن الشعبي الجنوبي؟

0


البنت قالت لابوها ولا اختشت منه.. توب الحياة داب يابوي والبرد كل منه.. إذا كان وِدَّك تصين العرض وتلمُّه.. قوم جوِّز البِتّ اللي عينها منه. *الريس متقال القناوي

الأغنية في أبسط معانيها هي شكل من أشكال التواصل: التواصل مع الذات، وذلك عن طريق التعبير بشكل صادق عما يختلج في صدرونا، والتواصل مع المجموع، وذلك في محاولة للتخفيف عن الأعباء والمشكلات التي تواجهنا جميعًا.

ويمكن اعتبار أن الأغنية الشعبية هي «المرآة» التي تعكس طبيعة المجتمعات وعاداته وتقاليده، وأيضًا طقوسه وأحزانه وأفراحه، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل «ماسبيرو» (أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر) يقوم بجمع الأغاني المصرية الشعبية الدارجة في جميع أنحاء البلاد؛ وذلك ليكتشف طبيعة الوجدان المصري.

ويكمن الجمال الخاص للأغنية الشعبية في كونها نابعة من الذائقة الشعبية الصرفة دون زيادة أو نقصان؛ حيث تأتي كلماتها من «الحواري» والأزقّة القابعة بعيدًا عن المدينة، في القرى والنجوع والكفور حاملة معها ذلك الزخم الهائل من حياة هؤلاء الناس اليومية، وما تفرزه تلك الحياة في الحقول والأسواق والشوارع والمصانع.

في البدء كانت الأغنية الشعبية

فات الكتير يابلدنا مابقاش إلّا القليل.. بينا يللا بينا نحرر أراضينا.. وعضم اخواتنا نلمّه نلمّه.. نسنّه نسنّه.. ونعمل منه مدافع.. وندافع.. ونجيب النصر هدية لمصر.. * أغنية من ذاكرة أهالي السويس عقب النكسة

بعد هزيمة الجيش المصري أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 قام أهالي السويس  بتأليف الكثير من الأغاني التي عبرت عن إحساسهم المباشر بالهزيمة، وحملت كلمات أغانيهم الكثير من الأمل والرغبة في المقاومة الشعبية، ولم يقتصر دور الأغنية الشعبية في السويس عقب الهزيمة على التعبير عن الذات ومواجهة الخسارة بشكل جماعي، وإنما امتد ليشمل توثيق اللحظات الخاصة بالمقاومة الشعبية، وأيضًا توثيق لبطولات أهالي السويس وأبطال المقاومة الذين نسيهم التاريخ، وعليه فقد كانت الأغنية الشعبية في السويس بمثابة التاريخ الموازي، وحفظت في ذاكرة كل المصريين أحداث الحرب.

أنت أجمل البلاد يا نوبة.. أنت أم البلاد يا نوبة.. العِمة والعباءة يا نوبة.. البلح وعليق البلح يا نوبة.. المنجل والفأس يا نوبة.. أعطهم لي وسأحرث يا نوبة.. سوف أزرع وأحصد يا نوبة.. أغنية نوبية تراثية

الأغنية الشعبية النوبية كذلك تجسد بشكل كبير واقع المجتمع النوبي، والذي تمثَّل  في قضية تهجير النوبة التي أحدثت تحولًا تاريخيًّا لحياتهم منذ عام 1902 وقت بناء خزَّان أسوان والتعليات المتتالية له عام (1912-1933) ثمَّ التهجير الأخير عام 1964 وقت بناء السد العالي؛ وقد أدى هذا التحول التاريخي إلى غرق كافة الأراضي الزراعية في بلاد النوبة؛ فاضطر بعض النوبيين للسفر إلى مدن مصر والسودان.

ولما كان أهالي النوبة لا يجيدون غير حرفة الزراعة – إضافة إلى كونهم أميين – فإنهم اضطروا للعمل في مجال الخدمة في المنازل والفنادق وقد مثل هذا العمل الشاق قمة المعاناة النفسية والجسدية لهم بسبب تقاعس الحكومة عن إعطائهم التعويض المناسب عن الضرر الناتج عن غرق أراضيهم، وعطفًا على تجسيد الأغنية النوبية للواقع النوبي، فإنها تقوم أيضًا بحماية اللغة النوبية من الاندثار.

بتناديني تاني ليه.. أنتي عايزة مني إيه.. ما خلاص حبيتي غيري.. روحي للي حبيته.. يانا يانا من عيونك النعسانة.. أنا قلبي ولا ناقص خيانة.. واللي جرى منك يكفيه. *أغنية شعبية صعيدية

يعد الغزل من أهم مرتكزات الأغنية الشعبية الصعيدية، وعلى الرغم من أن العادات والتقاليد في الصعيد صارمة إلى حد كبير، إلا أن الأغاني الشعبية تقاوم تلك العادات والتقاليد بشكل كبير، ربما لأن الأغنية هي وسيلة الإفصاح عن مشاعرنا الداخلية، وربما لأنها تقوم على الخيال؛ ففي الوقت الذي أدرك فيه الرجل الصعيدي حرمة المرأة داخل مجتمعه قرر خلق امرأة أخرى في خياله وكتب لها أغانيه.

الأغنية الشعبية كغذاء لوجدان جميع أفراد المجتمع

للأغنية الشعبية العديد من الخصائص والمقومات: أول تلك الخصائص هي الشفاهية، فالأغنية الشعبية يتم تداولها بشكل شفهي في بداية ظهورها، وبعد التداول تُحفظ في الذاكرة؛ مما يضفي عليها المزيد من صفة الشعبية، كما تتسم الأغنية الشعبية أيضًا بالانتشار الواسع بين أفراد المجتمع وتعكس من خلال كلماتها مشاعر وطموحات وأفكار جميع أبناء ذلك المجتمع بالقدر ذاته.

وبحسب «دراسات في الأدب الشعبي» الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، تؤدي الأغنية الشعبية عدة وظائف، وهي الوظيفة الثقافية، وذلك من خلال عملية حفظ التراث، والوظيفة الاجتماعية حيث تحافظ على تاريخ المجتمع ونضاله، والوظيفة الفنية، وهي تحقيق المتعة بالاستماع للألحان والموسيقى، ويجب أن تؤثر الأغنية الشعبية في وجدان المجتمع ونفسيته، وتصل لجميع الفئات، ولهذا فعادة ما تُكتب الأغنية الشعبية باللغة العامية.

ولا تظهر الأغنية الشعبية من فراغ، وإنما تنبثق من الدافع الروحي الجماعي للإبداع، ولهذا يرى البعض أن الأدب الشعبي أصدق تصوير للروح من الأدب الذاتي؛ لأن الأدب الشعبي هو نتاج معقد من العلاقات الإنسانية داخل المجتمع وأهدافه ومهاراته وبنيته النفسية والفنية والمكونات الثقافية لهذا المجتمع.  

والأغنية الشعبية المصرية لها الكثير من الأقسام منها على سبيل المثال: الحكايات والمواويل والأساطير والمدائح والشعر الشعبي كالموشحات والزجل والأراجيز والسير الشعبية، مثل سيرة عنترة، والظاهر بيبرس، وأبي زيد الهلالي.

أما أبرز السير الشعبية فهي «السيرة الهلالية» التي يمكن اعتبارها «إلياذة العرب»، حيث تأتي في ما يربو عن مليون بيت شعري يحكي تاريخ تغريبة بني هلال والصراع القبلي بين أبناء القبيلة الواحدة ونزولهم إلى مصر وخروجهم منها، ثم رحيلهم إلى أفريقيا والاستيلاء على مدينة القيروان، ومن ثم نشوب الخلافات بينهم، وتأتي أهمية السيرة الهلالية في التراث الشعبي كونها عبرت بصدق عن الإبداع الجمعي الشعبي وتأثيرها بشكل عميق في المجتمع المصري.

وقبل أن يترك «بنو هلال» مصر رسخوا طابعهم بخيال ووجدان الأديب الشعبي، حيث ألهمت قصصهم وتغيراتهم العامة، وخلال رحلتهم داخل مصر استهوت أغانيهم الفلاحين في الصعيد والدلتا، فأخذوا عنهم وقلدوا قصصهم في المعاني والأسلوب، ولكن بصيغ أقرب للعامية المصرية، وذلك حتى استقام لهم عدد من السير المحلية المصرية، وبعد أن تم تداول الأغاني الشعبية المصرية المستوحاة من سيرة بني هلال تبين أنه لم يكن بينها وبين السيرة الأصلية سوى استعارة بعض القبائل والأشخاص والبلاد.

وفي أواخر الستينات وخلال السبعينات حاول  الشاعر المصري «عبد الرحمن الأبنودي» جمع السيرة الهلالية الشعبية وتمكن بالفعل من نشرها عام 1988 عن دار أخبار اليوم، وذكر الأبنودي في مقدمة كتابه أنه قام بهذا الجهد المضني ليضع بين أيدي الناس نصًا شعبيًا في مقابل النص المدون، وذلك لكي يتضح الفارق بين رواية المدون ورواية الشعبي الأمي الأصيل، وأضاف الأبندوي بأنه يحذو حذو «هوميروس» حينما جمع متفرقات الإلياذة وقدم للبشرية نصه الأمثل.

الريِّس متقال.. مغني التراث الشعبي الجنوبي

ياحلوة يا شايلة البلّاص.. من فضلك دلي اسقيني.. ده قلبي بيحبك باخلاص.. زي ما احبك حبيني .. زي ما اودك وديني. *الريس متقال القناوي

عندما تحدث الأبنودي عن تدوين التراث الشعبي الأصيل من قبل أبناء الشعب، كان يقصد أولئك الذين تغلغل ذلك التراث إلى أعماقهم، فعبروا عنه بكل كيانهم وجسّدوا الأغنية الشعبية بكل صدق حتى تجاوز مداها المجتمع الصغير ليخرج للعالم أجمع، كان الريس متقال القناوي أحد هؤلاء الذين حملوا تراث الغناء الشعبي في صعيد مصر داخل قلوبهم وعلى ألسنتهم، ممسكًا ربابته وبجواره جوقة من الرجال الذين تحمل أصواتهم جميع حضارات الغناء المصري؛ فالريس متقال يغني الفرايحي، وشوقي يؤدي الموال، وعم شمندي يحفظ السير الشعبية عن ظهر قلب.

 

كانت البداية من محافظة الأقصر بجنوب مصر، حيث بدأ الريس متقال الغناء وهو في سن التاسعة أسوة بوالده، وخلال عام 1965 التحق بـ«الفرقة القومية للفنون الشعبية» وبطلب من الكاتب والمخرج سعد الدين وهبة انضم الريس متقال للفرقة الثقافية الجماهيرية وسجلت له شركات الإنتاج أكثر من 21 أغنية، ثم كانت النقلة النوعية للريس متقال حينما سافر لمدينة باريس و«انتقل للعالمية».

براعة الريس متقال الرئيسة تجسدت في قدراته البارعة على المزاوجة بين أداء السيرة الهلالية، والغناء الشعبي، وحيث إن العم شمندي أخا الريس متقال كان الأكثر حفظًا للسيرة الهلالية فقد كان أداؤهما معًا قويا للغاية، وكان الريس متقال يؤدي بعض مربعات السيرة الهلالية، مثل المربعات الخاصة بقصص الغرام والعشق في الهلالية، ومربعات الصلاة على النبي.

الريس متقال وفن العزف على الربابة

يعد الريس متقال عازف الربابة الأول في مصر، وكنزًا من كنوز الموسيقى التراثية المصرية؛ ففي منطقة القرنة القديمة بمحافظة الأقصر، وتحديدًا في قرية (أبوالجود) رسخت عائلة متقال لهذا النوع الفريد من الموسيقى؛ تلك الآلة الموسيقية الوترية الشرقية التي عرفها المصريون منذ زمن بعيد وأطلقوا عليها اسم النور، والعزف على الربابة هو فن صحراوي عُرف للمرة الأولى على يد أبناء البادية الرحل، ونُقل على يد بني هلال عبر ترحالهم إلى مصر والمغرب وتونس.

وقد ذكر المخرج الفرنسي ألان فيبير – المولع بالموسيقى التراثية الشرقية، والعاشق لصعيد مصر – أنه تعرف على الريس متقال عن طريق وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، حيث كان يعمل وقتها مستشارًا ثقافيًا بالسفارة المصرية في الهند، وكان فيبير قد سافر للهند في وقت سابق من أجل البحث عن الموسيقى التراثية؛ فرشح له حسني عازف الربابة الريس متقال، ومن هنا بدأت الحكاية.

خلال هذا الوقت كان الريس متقال ذائع الشهرة وكان يجوب العالم من  أجل جولاته الفنية، ولما أراد فيبير التواصل مع متقال قرر التحدث مع سعد الدين وهبة المؤلف المسرحي الذي أحضر متقال بالقوة حينها من طهران إلى مطار أورلي الفرنسي، ومن هنا كان تعرف الجمهور الفرنسي على الريس متقال الذي أقام عدة جولات فنية ناجحة بالمشاركة مع فيبير.

الموالد ثم «الفرقة القومية للفنون الشعبية»

تعد الفرقة القومية للفنون الشعبية من أقدم الفرق الشعبية في مصر، حيث يعود تاريخ إنشائها إلى عام 1950 على يد الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة آنذاك، جدير بالذكر أن الفرقة استعانت في  بداية عملها بخبراء الفن الشعبي من الاتحاد السوفيتي في مجالات الموسيقى والرقص، وكان أبرز هؤلاء الخبراء أستاذ الفنون الشعبية رامازي.

انضم الريس متقال إلى «الفرقة القومية للفنون الشعبية» كفرقة نظامية مؤسسية حكومية قامت برعاية فنه وتبنت موهبته حتى أوصلته للعالمية، وقبل الانضمام لمسار الفرقة كان الريس متقال واحدًا من الفنانين الذين بدأوا فنهم من الشارع؛ حيث كون فرقته الفنية من أفراد عائلته وأشقائه ودار في الموالد الصعيدية يصدع بأغانيه المميزة على ربابته؛ حتى عرفه جمهور الشارع البسيط، وتذوق فنه، ثم بعدها لمع نجمه، واشتهر خارج مصر، وأثار اهتمام الصحافة العالمية؛ حيث جسد الريس متقال حالة خاصة لا تتأثر سوى ببيئتها الأم.

ربما لهذا السبب كان الريس متقال انعكاسًا للفن الشعبي الجنوبي؛ لأنه ابن الشارع والموالد والأزقة الضيقة والقرنة الجنوبية؛ تذوق فنه العوام أولًا والبسطاء من الناس، ثم وصل فنه للنخبة والمتخصصين.. اعتمد متقال على مجهوده الشخصي الفردي قبل الانضمام للفرقة القومية للفنون الشعبية ومزج بين الغناء والعزف والموسيقى، ووظف كل تلك الإبداعات من أجل توصيل فنه.

الفن الشعبي عادة ما يتواجد في المقاهي الشعبية والموالد وحلقات الذكر حيث تُحكى الأساطير الشعبية والحكايات والقصائد وتُروى الأمثال والسير التاريخية، بعد ذلك تتردد تلك القصص والحكايات على ألسنة العامة حتى تصبح جزءًا أصيلًا من حياتهم، وتتذوقها كل طبقات المجتمع، وربما تتجاوز حدود ذلك المجتمع؛ لتنتقل إلى آخر؛ وذلك لأنها فن أصيل عبر عن ذاته، وصمد، وكون بنيته من جميع تلك الأماكن.

 

The post «يا حلوة يا شايلة البلاّص».. كيف جسد الريس متقال الفن الشعبي الجنوبي؟ appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.