هل الجمهور حقا «عاوز كده»؟

0


حرصت إدارة «فيسبوك» خلال السنوات الخمس الأخيرة على ضرورة إقناع كل المؤسسات والأفراد في قطاع الإعلام والصحافة بالتحول من إنتاج المحتوى المكتوب إلى الفيديو.

لم تترك الشبكة الزرقاء وسيلة لإقناعنا بأن «الجمهور عايز كده»: أرقام الـReach تؤكد ذلك. الدورات التي أقامتها بالشراكة مع منظمات وجمعيات التدريب عبر العالم تعزز حاجتنا باعتبارنا ناشرين إلكترونيين إلى اللحاق بالمستقبل حتى لا نقع في ما وقع فيه أصحاب الصحف الورقية. ثم انتظرنا تطوير المنصة الخاصة بالفيديو التي ستنافس «يوتيوب» و تقدم لنا ميزات أفضل باعتبارنا منتجي فيديو، قبل أن تعلن فيسبوك نفسها أنها تتجه لتمويل إنتاجات ضخمة تنافس فيها صنّاع الـ VOD) Video on Demand).

منظومة كاملة من البيانات المتدفقة والإحصاءات اليومية وإعلانات الحثّ على تعلم صناعة الفيديو التي توجهنا نحو هدف واحد: اعتماد الفيديو.

أحد الإحصاءات الشهيرة الصادرة عن هيئة مراقبة للإنترنت في الولايات المتحدة توقعت أن يحتل الفيديو أكثر من 70% من نسبة المحتوى المتداول بين مستخدمي الهواتف الذكية بحلول العام 2019.

نتج عن هذا الدفق المركز موجة عالمية أدت إلى إنشاء منصات فيديو مستقلة ضمن كبرى وسائل الإعلام العالمية. وهكذا صارت أهم القصص والمواضيع تُعالج بمواد مرئية لا تتخطى الدقائق القليلة. وجد أصحاب مدرسة النشر التقليدي أنفسهم أمام هوة جديدة. فهُم وإن انتقلوا إلى الصحافة الإلكترونية مرغمين إلا أنهم هذه المرة مطالبين بالتخلي عن مدرسة التحرير بأكلمها لصالح المعالجة البصرية التي تتضمن بضعة أسطر تمر سريعًا في صورة تعليقات على المادة المصورة، وتختزل أبعادًا وجوانب عديدة.

ولكن مهلًا، هل تغير فعلا سلوك «المستهلكين» إلى هذا الحد؟ هل استغنى الجمهور عن القراءة؟ هل إنتفت الحاجة للأبحاث والمقالات والتحليلات والأفلام الوثائقية ما دامت فيديوهات «الوجبات السريعة» تسيطر على المشهد الإعلامي؟

في إبريل (نيسان) من العام 2016، قادنا مارك زوكربرج إلى كمين محكم بتحديده مهلة خمس سنوات قادمة قبل أن يحتل الفيديو المحتوى بأسره عبر الفيسبوك.

كرر مديرو فيسبوك التنفيذيون هذا الكلام الموثق في أكثر من مؤتمر في قارات العالم المأهولة.

في سبتمبر (أيلول) من العام 2016، نشرت «وول ستريت جورنال» تقريرًا يكشف أن «فيسبوك» في تقدير أرقام وإحصاءات الفيديو على منصتها لأكثر من عامين. أصدرت «فيسبوك» يومها منشورًا على مدونتها الرسمية تعتذر فيه «بعد اكتشاف هذا الهامش» في المبالغة، زاعمة أنها أصلحت مقاييس احتساب مشاهدة الفيديو عبر منصتها. (رابط لتقرير نيويورك تايمز)

لكن مجموعة من المعلنين في كاليفورنيا قرروا رفع دعوى قضائية معتمدين على وثائق داخلية يتهمون فيها «فيسبوك» أنها كانت تعلم بشأن هذه المبالغة. تتضمن الدعوى تفاصيل مثيرة موثقة بالأرقام لعدة نماذج عملية على حجم المبالغة في تقدير أرقام مشاهدات الفيديو.

في العام 2017، بلغ مدخول «فيسبوك» من الإعلانات وحدها نحو 40 مليار دولار؛ أي ما نسبته 98% من مجمل أرباحها. هذا الرقم يفسر سبب تركيزها على الفيديو، فإعلانات الفيديو أعلى سعرًا بأضعاف من أي إعلان آخر.

ما يهمنا من المسألة برّمتها يرتبط بعدة جوانب:

أولًا، رسمت العديد من المؤسسات الإخبارية والإعلامية سياسات التطوير لديها بناءً على قاعدة أن مستقبل الاستهلاك الإعلامي هو للفيديو بناءً لأرقام مشكوك بها. وبالتالي فقد ساهمت هذه المؤسسات بغير علم منها في التسطيح والتسخيف والاختزال، فضلًا عن التحولات في مواردها البشرية نتيجة التوجه نحو استقطاب مهارات محددة للعنصر الشاب العارف بالتقنيات على حساب خبرة المخضرمين في الصحافة.

ثانيًا، اعتدنا نحن مستهلكين في نظام العولمة الرأسمالية على استهلاك ما تزرعه الإعلانات والدعايات من إيحاء فينا. تفوقت فيسبوك على هذه الطريقة التقليدية، فحولتنا نحن إلى صنّاع الإعلان وإلى مستهلكيه، فاندفعنا نروّج لسلعة «الفيديو» على حساب كل القوالب الإعلامية الأخرى، ثم استهلكنا هذه السلعة حتى حد التفاهة.

ثالثًا، أثبتت «فيسبوك» أنها من أهم أدوات السيطرة على سلوك البشر، بعد أن كان الجدل سابقًا في تأثيرها المتراكم عليه. الحقيقة أن «فيسبوك» مع كل تقنيات الذكاء الصناعي المرعبة التي تطورها باتت تصنع إدراكنا وتوجهاتنا وسلوكنا لا تؤثر عليها فقط. نحن أمام واقعٍ شبيه بفيلم خيال علمي داخل مصنع يُنتج ملايين الروبوتات الخاضعين للتحكم من قبل المُصنّع.

رابعًا، إن فيسبوك ليست وحدها المسؤولة عما وصل إليه الحال في القطاع الإعلامي. هي شريكة بل منافسة لشركات كـ«جوجل» على فرض السيطرة علينا. ونحن الآن بأمسّ الحاجة لوضع حد للنزيف الإعلامي و إعادة الإعتبار لمدرسة النشر القديمة (من دون أن يعني ذلك استبعاد التقنيات الحديثة). نحن بحاجة إلى إعادة تشكيل «مطبخ التحرير» وجلساته والسعي وراء المعلومة التي لا يطالها مغردو تويتر، ويضطرون معها لمتابعة الصحافة الأصيلة لا تلك التي اصطنعتها شركات الإعلان الافتراضية خارجةً علينا بمفهوم «المواطن الصحفي» العجيب.

في الخلاصة، لا دليل علمي فعليًا على أن «الجمهور عاوز كده»! ولا دليل على أن كلفة وآلية إنتاج الفيديو هي نموذج الأعمال الأفضل للصحافة، بل هناك إشارات إلى أن حنين الناس إلى النص في تزايد. نعم، قد يختلف الحال بين بلد وآخر، بحسب ما تُبرز أرقام دراسات المراكز الإعلامية المتخصصة كـ«رويترز»، ولكنّ السلوك البشري متشابه في النهاية، وإن احتاج إلى زمن أطول ليتبلور بين مجتمع وآخر.

The post هل الجمهور حقا «عاوز كده»؟ appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.