موسم طلب الشهادات

0


من صور الحياة الجميلة التي تميز شهر سبتمبر (أيلول) من كل سنة، مشاهد الصغار يمضون في صخب متفائل نحو مدارسهم. حورات بريئة ونشاط يتجاهل المستقبل مع أن الحلم المشترك واحد، ساذج حملناه جميعا قبلهم، هو ذاته الذي يجعل من الرشد هدفًا، لأن الكبار يحتفظون بأسرار إدارة حياتهم في كتمان شديد. الحلم الذي يركز في الزمن ويقصي المكان، لأن القلوب الصغيرة تتعلق بمحيطها وتفاصيله فلا تتخيل أن الأمكنة مختلفة وهي وحدها تحدد التفاصيل الأهم.

ولتحقيق حلم الكبر طريق واحدة يشير إليها الجميع محطاتها أقسام دراسية، من يسلكها بحنكة ينال شهادة ميلاد جديدة تجعل رشده أقل تعبًا. في الطريق نصادف أهل المهن المختلفة، فندرك أن المجتمع يحدد لكل منها قيمة، بين البائع المتجول وسائق الحافلة والمدرس والشرطي والطبيب، وتقابلنا من الأحداث ما يجعلنا نجد لأهلنا وفق مستواهم مكانًا بينها. تتناسق الصور فنعي أن التراتبية الاجتماعية جزء من واقع المكان، ومع الأيام نربط في الغالب مواقعنا المستقبلية في الهرم بمستوى تحصيلنا المعرفي. لكننا قد لا نجد للأسف وفق ضوابط المكان تعليمًا يحترم هذا التصور النبيل للترقي عبر المعرفة! فالمضمون قد يكون فقيرًا بشكل يجعل نهاية المسار فارغة من معرفة حقيقية، والشكل قد يكون ظالمًا يبني أهرامًا مسبقة الترتيب لا يمكننا أن نتسلق منها غير ما يسمح لنا به المستوى الاجتماعي للأسر بولوج سفحه!

المقاربة المعتمدة في شكل التكوين الدراسي والمؤسسة على التلقين الذي يختم باختبارات ينتهي مسارها بشهادات ربما أصبحت متجاوزة. العصر الذي نعيشه تختلف معالم حياته اليومية عن شكلها قبل سنوات، والواقع هذا يفرض إعادة نظر في شكل التعليم الحالي وتجديد صيغته للتلاؤم مع عصرها. هذه الحقيقة التي تتطلب مجهودًا فكريًا وربما فلسفيًا لنسج تصور ثوري لمسار تحصيل المعرفة، تتجاهلها الجهات الرسمية المشرفة على قطاع التربية والتعليم والغارقة في تكرار اختبار صيغ تقليدية تركز فيها على الوسيلة أكثر من الجوهر. دول أخرى كفلندا وسنغافورة تفطنت لأهمية الموضوع، فرفعت جودة تعليمها عبر اعتماد طرق تكوين مبتكرة تستحق التأمل والاختبار. ولكن الخوض في الصيغة والمضمون من حيث الجودة قد يكون هروبًا من تقييم حقيقي للوضع الحالي لتعليمنا، وطموحًا لبلوغ ترف في غياب الأساسيات.

في ما يخص واقع حال تعليمنا، الرثاء واجب في حق نسخته العمومية بالخصوص. والحديث هنا عن التعليم العمومي يهم في مستوى أول الدول قليلة الموارد باعتباره واجبًا حكوميًا وأحد أركان شرعية السلطة التنفيذية، وأهم ركائز بناء العدالة الاجتماعية عبر ضمان فرص الترقي الاجتماعي من خلال مجهود التحصيل المعرفي. الخطير أن دولًا عربية كثيرة اتخذت منحنى واضحًا نحو خوصصة القطاع بشكل ممنهج، بدأ عبر فتح القطاع أمام رأس المال ليغرق التعليم الابتدائي والثانوي ثم جامعيًا حيث لم تسلم منه حتى تخصصات حساسة كالطب والمهن العدلية، ومر عبر إهمال جودة التعليم العمومي الذي بات مصنع فشل ومحطة انتظار للبطالة في جزء كبير منه، ووصولًا إلى الحديث عن قرب نهاية التعليم العمومي المجاني الذي بغيابه تصبح المواطنة نفسها عليلة المعاني.

 هذه التوجهات تضرب في العمق تماسك المجتمع وتهدد استقراره، فتقديم التعليم العمومي باعتباره منتجًا رديء الجودة الفرار منه محاولة لإنقاذ مستقبل الأبناء، جعله شبه خاص بالطبقة الفقيرة، والحال هذا يضع المستوى الاجتماعي معيارًا للفصل بين المواطنين منذ طفولتهم. خطورة هذا الشرخ المجتمعي ستظهر في سنوات قليلة ينضج خلالها حقد اجتماعي سيهدد المجتمعات المعنية في استقرارها وأمنها الداخلي. أما الشكل الخاص فغالبيته مشاريع ريعية تبيع للطبقة المتوسطة بالخصوص صورة ترق وهمي أهم دعاماتها التجارية رداءة التعليم العمومي. أما المؤسسات التي تقدم تعليمًا متكامل الأركان فهي على ندرتها مشاريع أجنبية التسيير والبرامج، لا تكون في النهاية إلا مهاجرين مستقبليين أو نخب غير قادرة على التواصل مع قاعدة بلدانها الأصلية.

قيمة التعليم العمومي الأساسية تتجلى في خدمته لرسالة أساسية هي الترقي بالمستوى الفكري للمواطن. وهو في دوره النبيل هذا يسمو فوق فكرة ‏‎‎جعل الشهادة هدفًا لذاتها، وربطها المباشر بنافذة سوق الشغل ليتحول طلب ‎العلم إلى طلب قوت! المعرفة التي لا تبنى على متعة اكتشاف جهل الذات وقدراتها في إدراك المنطق الذي يسكن محيطها هي معرفة سطحية عقيمة قد تهب صاحبها حياة وهمية بامتياز! ولذلك فإن إعادة النظر في الصيغة والمضمون ضرورة ملحة لإنقاذ تعليمنا ومعه أجيال لا يمكن أن نستشرف ازدهار مستقبلها في ظل إهمال التعليم العمومي بشكل خاص، والسماح بسيادة الكم دون جودة بما يشمل التعليم بمختلف أشكاله. إن شكل التعليم هو ما يحدد مستقبل أي أمة، ولذلك فالإصرار على تجاهل استعجالية إصلاحه بإرادة سياسية حقيقية، لا تقف عاجزة أمام مصالح المرتزقين والمستفيدين من تدهور حاله، وبرؤية واضحة أهدافها اجتماعية صرفة، هو ارتماء في أحضان مجهول لن تتأخر مشاهده المرعبة في الظهور!

The post موسم طلب الشهادات appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.