من قال إن الحرب انتهت؟!

0


في مرحلة معينة، كانت القضية الفلسطينية مهيمنة على كل قضايا العرب، وكان مجرد الانتماء إلى فلسطين يحظى بفضله المواطن الفلسطيني بمكانة خاصة في العالم العربي. وقد انتقل ذلك إلى مجال الأدب، فكان كل كاتب فلسطيني شارك في مسابقة إبداعية عربية، أو أنتج منتوجًا أدبيًّا (شعر، قصة، رواية، مسرحية… إلخ) تمنح له الجوائز بكرم وسخاء كبيرين، دون الاستناد إلى أي معايير نقدية مضبوطة، بل «شرط» الانتماء إلى فلسطين يغطي عن باقي الشروط!

وفي الحقيقة قد نتج عن هذا الأمر شعور خفي بالحيف بين باقي المبدعين من العالم العربي، غير أنه ظل شعورًا مكبوتًا، ولم يكن أحد يجرؤ ليفصح عنه حتى لا يتهم بخيانة «القضية»، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أخذ الإنتاج الأدبي الفلسطيني ينحدر شيئًا فشيئًا نحو الرداءة، بعدما بلغ أوجه مع غسان كنفاني، ودرويش، والبرغوثي، وآخرين.

وقد تنبه محمود درويش إلى خطورة هذا التعاطف السيء، فكتب مقالة شهيرة بعنوان دالّ: أنقذونا من هذا الحب القاسي! فدعا، في مقالته، إلى ضرورة الاحتكام إلى جودة المنتوج في تقييمه، والتعامل مع الفلسطيني كإنسان؛ يأكل، ويشرب، ويغني، ويتذوق الشعر، ويحب، ويكره، ويغدر، ويفي، وينافق… إلخ مثله مثل باقي الناس.

المستفاد مما تقدم هو: أن نتعلم الفصل بوضوح بين التعاطف مع الإنسان ومساندته في قضية عادلة، وبين النظر إليه من خلال هذه «القضية»، فذلك يضره كثيرًا، حتى وإن كانت النية صالحة!

قبل عامين من الآن كنتُ أقول: الحرب لم تنته بعد! الحرب لم تنته بعد! لا أحد يصدق اقتناعي بأن الحرب لم تنته. وأنا أؤيد اقتناعهم بأن الحرب انتهت، فقد انسحب الشهداء إلى القبور كأبطال مُنتصرين، وتوقف هطول الرصاص في تموز، وتوقفت أيضًا القذائف عن اقتلاع أعين الفقراء، واختفى أيضًا صُداع الطائرات، وتوقف أخيرًا المذياع عن عدّ الشهداء.

وأيضًا نزل القناص من فوق سرير الأمّ المُختبئة أسفل السرير خوفًا، وأيضًا اختفت المجازر التي لا يجرؤ أحد على الحديث عنها. أنا أؤيد قناعتكم الحرب انتهت الحرب انتهت. لكني أقول الآن وقبل الآن الحرب لم تنته! للموت وجوهٍ أخرى والموت والد الحرب الحنون.

القاتل ليس فقط من يطلق الرصاص مع سبق الإصرار والترصد، وليس القاتل فقط من يقطع شريان امرأة لكي لا تشعر بالألم وهو يسرق أحلامها المُخبأة في خزانة الفرح. ليس القاتل فقط من يدُس السُم في لبن أولاده لكي يتخلص من صُراخهم الطويل جوعًا.

والقتل أيضًا له وجوهٍ أخرى. أن تنام أرضًا طريحًا مُتعرقًا بسبب انقطاع الكهرباء لنصف يوم أو أقل بدقيقة، هذا قتل لكن ليس بسبق الإصرار والترصد. أن تقوم بإلقاء ما جمعت من طعام بسلة القمامة لفساده، بسبب انقطاع الكهرباء لنصف يوم أو أقل بدقيقتين، هذه سرقة علنية مع عدم اكتمال الأدلة. أن تتسع بلادنا للموت بكل أشكاله ولا تتسع لعملٍ واحد لرجل يحمل وزر عشرة أولاد على كتفه، فإن للموت وجوه أخرى! أن تتسع بلادنا لجميع الفصائل السياسية والعسكرية، ولا تتسع لفتاة واحدة تريد أن تعبر بقدمها من فوق لحافها!

إنه قتل وتعذيب طويل ولكن دون شكوى ودون شُهود. عندما يتم وضع حدود للكاتب أو وضع الكاتب في الحدود، فإنه قتلٌ مُعلن بكاتم الصوت للحرية الأدبية. للحرب وجوه أخرى سيدي القارئ. عندما يُغني «عادل المشوخي» إوعي يا قطة تخافي مني، والخبيزة أويوو، والليّدن. فإنها حرب مُعلنة لاغتيال اليقين. اليقين الذي يطهر أرواحنا من الأحوال السيئة والمزاجات المُتعفنة.

حرب مُعلنة لقتل الصباحات الفيروزية والمساءات الكاظمية،حربُ تستهدف المزاجات الفنية، حربُ تستهدف انطباع القهوة والأصل والانتماء الطويل لأصحاب المقامات الفنية والأدبية. حرب تنسف مقاماتنا الأدبية وتهدد بإبادة نظراتنا الجمالية. حرب تستهدف هويتنا الأدبية. حرب تلوث بيئتنا السمعيّة، وتهدم بنية تقافتنا التحتية.

الحرب لم تنته، للحرب وجوه أخرى!

The post من قال إن الحرب انتهت؟! appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.