من السباحة إلى مراوغة الرصاص.. دروس أمنية للمواطن

0


كان موتُ الشابّ عمر العبيدي (19 عامًا) غرقًا بوادي مليان على هامش الملعب الأولمبي برادس غرّة أبريل (نيسان) من السنة الجارية قادحًا لإطلاق الحملة الشعبية «تعلّم_عوم» والتي تبنّتها جماهير النادي الإفريقي التونسي في مدرّجاتها مُعبّرةً عن تنديدها بتورّط الأمنِ التونسيّ في مقتله، إذ صرّح شهود عيان أنّ عناصر أمنٍ أجبروهُ على رمي نفسه في الوادي بعد أن وجد نفسه على ضفّته محاصرًا بين عصيّهم والوحل. اختارَ يومها عمر الوحل على عصا البوليس وحينما دنا الموتُ منه استعطف جلاّديه لإنقاذه، لكنّ أحدهم سخر منه قائلا: «تعلّم عوم»، أي تعلّم السباحة.

فَتحُ تحقيقٍ في الحادثة ضدّ مجهولٍ من قِبلِ النيابة العمومية بعد أشهرٍ من وقوعها لم يفضِ بنتيجة وتواصل التحقيق ببطء حتى تمّ الاستماع إلى 14 شرطيًا بمقتضى الفصل 217 من المجلة الجزائية والفصلين الأول والثاني من القانون عدد 48 لسنة 1996 يحدّدان العقوبات بالنسبة لتهم «القتل العمد» و«عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر».

في 23 أكتوبر (تشرين الأول) من ذات السنة تُداهم عناصر من سلك الديوانة التونسيّة مستودعا للسِّلع المهرّبة بحيّ «سيدي حسين السّيجومي» من ولاية تونس وتلاحق شبّانا فارّين مُطلِقةً أعيرة ناريّة في الهواء لتفريقهم وإثنائهم عن التجمهُر. إحدى الرّصاصات اختارت فرضيّة قاسية من الفرضيّات الممكنة عند إطلاقها واستقرّت بجسد الشاب أيمن العثماني (19 عامًا) لترديه قتيلا.

المتحدّث باسم الإدارة العامة للديوانة التونسية «العميد هيثم زناد» صرّح بأنّ سبب الموت قد يكون ناجمًا عن ارتداد رصاصةٍ مُوجّهة نحو الهواء عن أحد جدران المباني المجاورة قبل إصابتها جسد الفتى.

من جهة أخرى رَفعت أمّ الضحيّة جانبًا من مُلابسات الحادثة بتأكيدها أنّ أعوانًا من ذاتِ الدوريّة المشاركة في عمليّةِ المداهمة أسقطوهُ أرضًا بعد إصابته وانهالوا عليه ضربًا بالهراوات وجرّوه على الأرض.

نشطاء بمواقع التواصل لم يفوّتوا الفرصة لإطلاق وسم جديد (هاشتاج) يعبّرون من خلاله على لسان المتورّطين في الحادثة: «تعلّم_إجري»، في تَحيينٍ للحملة الأولى: «تعلّم_عوم».

وعلى الرّغم من تَباين الحادثتين فإنّهما تجلٍّ نِسبيّ لقولِ «هيجل» أنّ التاريخ يعيد نفسه، ولِتصحيحِ «ماركس»، الأولى في شكل مأساة والثانية في شكل مهزلة، ولاجتهادنا نحن، دَرسانِ في وقتٍ وجيز.. دون فرصٍ للمراجعة أو هامشِ خَطأ في السّباحةِ ومراوغةِ الرّصاص.

وصرّح شهود عيان أنّ الفتى عاملٌ يوميّ في البناء وأنّ سببَ تواجدهِ بالمكان لم يكن إلاَّ فُضولًا لمعرفةِ مصدرِ الضجّةِ الواقعةِ وقعقعةِ الرّصاص.

تفاصيلٌ هي محلُّ جِدالٍ بينَ الطّرفِ الحكوميِّ وذوي الضحيّة حَسَمَ فيها تقريرُ الطبِّ الشّرعيّ حيثُ أكّد أنَّ عمليةَ الرّميِ تمّت على مستوى مسافةٍ تتراوحُ بين 20 و25 مترًا وأنّ الرصاصة أصابت مباشرةً الجانب الأيسر للظهر بين ضلعين ومزّقت العروق مباشرة مما أدى إلى حدوث نزيف دمويٍّ حادّ لم يَتسَنَّ للطبيب منعهُ رغم إخضاعِ المتوفى لعمليّتينِ جِراحيّتين.

وتستلم الجماهيرُ المتعاطفةُ وحدها مِلفّ الضحيّة المذكور لتخلّده ضمنَ العبارات الألف التي تُكتبُ بخطوطٍ مُعوجَّةٍ على الجدران قبل أن تُمحى بمفعولِ طلاءٍ جديد على جدران المدينة أو بمفعول التعاقب على جدران «فيسبوك».

تعبيراتٌ مُختصَرةٌ غاضِبة تُحوِّلُ لحظةَ المأساةِ إلى لحظةٍ ساخرة وتُعمَّمُ في المقاهي والحانات وأهازيجِ الفيراج، تعكِسُ غضبًا جَماعيًّا مُعلنًا على طُرُقِ التّعاملِ الأمنيِّ في لحظاتِ المواجهة العَرضيّة مع الشّباب، وبعضهم لم يكن حضورُه في مسرحِ الحادثة إلاّ صُدفة لا مُتوقّعةً في السيناريو.

ودروسٌ عربيّةٌ مُستحدثة، علّها مِن بيداغوجيا القمع تخلَعُ بابًا هُوَ في الأصلِ فجوةٌ قديمةٌ في النّظام تَفصِلُ الحقَّ عنِ الباطِل. وليسَ مُستنقعُ الوحلِ والجِدار إلَّا ديكورًا أوجدَهُ السّيناريست ليجعلَ الحكايةَ أكثرَ تشويقًا والدّرسَ أوقعَ في قلبِ المواطن العربيِّ.

The post من السباحة إلى مراوغة الرصاص.. دروس أمنية للمواطن appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.