مضايف القصب بالعراق.. تراث عالمي بعمق الأهوار

0



شفقنا- بيروت- منذ نشوء الحضارة السومرية جنوب العراق في الألفية السادسة قبل الميلاد، وألواحها الطينية تشير إلى ملامح “مضيف القصب” الذهبية، البناء الفلكلوري الجميل، أحد المعالم الفنية الرائعة في منطقة الأهوار.
لهذا المضيف مكانة كبيرة لدى سكان المنطقة، ويعتبر من معالم الكرم والضيافة، وهو تراث ظل صامدا على مر السنين رغم ما مر على أهله من حروب وتجفيف.
تقلبات المناخ فرضت على سكان منطقة الأهوار -التي أدرجتها منظمة التربية والثقافة والعلوم (يونسكو) عام 2016 على لائحة التراث العالمي- أن تكون بيوتهم من القصب.
ولبناء المضيف، يجمع أبناء القبيلة القصب الموجود بكثرة في عمق الأهوار بالاستعانة بعمال مهرة، ثم ترشّ الأعواد بالماء وتنظف قشورها، بعد ذلك تقسم على شكل مجموعات، الحزم الطويلة المقوسة الضخمة منها تسمى “الشبة”، وهي ركائز توضع نهايتها السميكة في حفر مقابلة لمثيلتها في الطرف الآخر، وتتشابك مع بعضها في السقف.
ويختلف عدد “الشبات” بحسب القبائل التي تتألف منها كل عشيرة، ثمّ تحكم الشبات بركيزة أفقية توضع في سقف المضيف، يليها على الجوانب ما يسمى “الهطار”، ثم يغلف بحصيرة من القصب.
ويستغرق بناء المضيف عشرة أيّام تصاحبها أهازيج وقصائد شعبية لشد أزر العاملين، ويزين بموقد نار يوضع فيه جمر الحطب ثم ترقد دلال القهوة العربية عليه لتنبعث رائحتها العطرة في أرجاء المكان.
دلال القهوة العربية من معالم المضايف (الجزيرة)
معلم سياحي
يمتاز أهل الأهوار بكرم الضيافة، فمضايفهم تظل مفتوحة طوال اليوم لاستقبال الضيوف من كل مكان وتقديم الماء والطعام والمبيت لهم.
يقول الباحث عقيل الحربي للجزيرة نت إن السياح العراقيين والعرب والأجانب يقصدون الأهوار للتمتع بطبيعتها الخلابة، مشيرا إلى أنهم ينامون طوال مدة رحلتهم داخل المضيف لعدم وجود فنادق هناك.
ويضيف الحربي أن وجهاء المناطق والأهالي يعتبرون ذلك تجسيدا لصورة الكرم والسخاء المشهورين فيها، لافتا بهذا الصدد إلى أن الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر زار الأهوار في خمسينيات القرن الماضي لتأليف كتابه “عرب الأهوار” الذي تحدث فيه عن هذه المنطقة وطبيعتها وإكرام الضيف ودور المضايف العربية فيها.
المضيف يبنى من القصب الموجود بكثرة في عمق الأهوار (رويترز)
المكانة الاجتماعية
يحمل المضيف رمزية كبيرة عند القبائل، وهو بمثابة الفضاء الذي يلجأ له السكان لتبادل الأحاديث والمواضيع المهمة وحل المشاكل المستعصية بينهم، بحسب الشيخ إبراهيم الدهش.
ويؤكد الشيخ الدهش للجزيرة نت أن هناك إلزاما للأطراف المتخاصمة بالتراضي داخل هذا المكان، مشيرا إلى أن القرارات الصادرة في المضيف من شيخ العشيرة والوجهاء تعتبر نافذة على الجميع دون استثناء.
ويضيف الدهش أن “المضيف ليس مكانا لحل الخصومات فقط، بل تقام فيه حفلات الأفراح ومآتم الأحزان، وقد تحول بمرور الوقت إلى منتدى رحب للمثقفين لإقامة أماسيهم ونشاطاتهم”.
المضيف يعتبر مكانا لحل المشاكل المستعصية بين القبائل (الجزيرة)
حماية التراث
وكانت منطقة الأهوار العراقية دخلت قائمة التراث الإنساني من بوابة مضايفها، وهي بحاجة إلى دعم حكومي لمساعدة منظمة يونسكو على جعل هذه المنطقة محمية طبيعية يمنع المساس بها ويجب الحفاظ عليها من الاندثار، بحسب الخبير البيئي جاسم الأسدي.
ويوضح الأسدي للجزيرة نت أن الحروب بشتى أنواعها استنزفت مياه الأهوار وأثرت على طبيعتها وحولت ما يقارب 96% منها إلى يابسة، ولم يتبق سوى 4% منها، مؤكدا أن موسم الشتاء الحالي شهد أمطارا غزيرة أنعشت الأهوار وغيرت نسب الجفاف.
ويشدد على ضرورة المحافظة على الأهوار وتسهيل مهمة المنظمات الدولية التي صوتت لصالح الحفاظ على هذه المحميات، وما التهمته الحروب والتجفيف من أراضيها.
المصدر : الجزيرة



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.