ليست أرض النفاق! هكذا كان العراق درة في تاج الحضارة الإنسانية عبر التاريخ

0


 

يُنسب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي قوله المشهور في العراق وأهله: «يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق». وهذا القول يُنسب أيضًا للإمام علي بن أبي طالب الذي وجهه إلى أهل البصرة بعد معركة الجمل، ولكن ماذا عن الأقوال الأخرى عن العراق؟ قول الإمام الشافعي مثلًا ليونس بن عبد الأعلى: «هل دخلت بغداد؟ قال: لا، فأجابه الشافعي: يا يونس ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس».

تستعرض السطور التالية لمحات من تاريخ العراق منذ فجر التاريخ، وتسرد بعض الأدلة التي قد تثبت أن العراق كان يومًا ما «درة تاج» الحضارة الإنسانية.

العراق القديم.. في البدء كانت الكلمة

أوروك هي المدينة التي شهدت ولادة الحروف الأولى، ونشأة النظام اللغوي السومري الذي مرَّ بثلاث مراحل: المرحلة الصورية، والمرحلة الرمزية، والمرحلة الصوتية؛ وهي أكثر المراحل تطورًا وتعقيدًا، حيث صار الإنسان في مدينة أوروك كاتبًا وأُشير إليه لأول مرة بهذه الصفة، فمصطلح «أومبيساك» أو «أوبسك» يعني في اللغة السومرية «كاتب»، وللكتبة تخصصات كثيرة، فهنالك الكاتب العسكري، وكاتب القضاة، وكاتب الاستخبارات والتقارير السرية، وكاتب الفلك والتنجيم والفأل، وكاتب الوصفات الطبية، وكاتب المدونات التاريخية، وكاتب المعارف الجغرافية، وغيرها من أصناف الكتبة.  

Embed from Getty Imageswindow.gie=window.gie||function(c){(gie.q=gie.q||[]).push(c)};gie(function(){gie.widgets.load({id:’U-kEpfA7TDRfKPCUhvizsQ’,sig:’NsO9hhIFy2xjEBMYifz3W4SumA2xMWOxhZ_SkYMI0cc=’,w:’594px’,h:’500px’,items:’118125818′,caption: true ,tld:’com’,is360: false })});

ومع تطور اللغة والكتابة واتساع البلاد بحيث اشتملت على مناطق أقوام تتحدث بلغات أخرى كالآرامية والآكدية، صار لزامًا أن يكون في الدولة مترجمون، وكان ذلك بالفعل؛ ففي مدينة أوروك اكتُشِف رقيمٌ طيني يعود إلى فترة الاحتلال الأخميني، وهو عبارة عن تعويذة كُتِبت باللغة الآرامية، ثم سطر تحتها الكاتب ترجمةً بالخط المسماري واللغة الآكدية.

لم تكن أوروك مدينة بدائيةً، ففيها تطورت الفنون الإبداعية كالشعر والغناء، وكذلك التقنيات ووسائل المواصلات، خاصة مع اختراع العجلة، وأيضًا نظام الري المتقدم الذي اعتمد بشكل أساسي على مياه نهر الفرات في تصميم شبكة إروائية واسعة غطت المدينة.

Embed from Getty Imageswindow.gie=window.gie||function(c){(gie.q=gie.q||[]).push(c)};gie(function(){gie.widgets.load({id:’nFUQTb75T7xLLy467S1R-w’,sig:’FS60SB21Tjw-v1DXo3x1yFD7MITjxH37EBkfa9zpMsY=’,w:’594px’,h:’290px’,items:’501581725′,caption: true ,tld:’com’,is360: false })});

لوح بابلي بنصّ ثنائي اللغة (السومرية والأكدية) في مدينة أوروك

«في تلك الأزمان الأولى لم يكن سوى الماء» هذه عبارة كُتبت على لوح طيني ضمَّ نصًا لأسطورة بابلية قديمة، وهي تعتقد أن الآلهة «نمّو» كانت الماء التي انبثق عنها كل شيء. وفي أسطورة أخرى عن الأنوناكي، أي آلهة سومر، يعتقد السومريون أن الأرض والسماء كانتا جزءًا واحدًا ثم انفصلتا: «بعد أن ابتعدت السماء عن الأرض، وفُصِلت الأرض عن السماء، وتمَّ خلق الإنسان، وأخذ آن السماء، وانفرد إنليل بالأرض».

هذا الاعتقاد والمفهوم أثّر بشكل واضح على فكرة الحضارات التي تلت الحضارة السومرية عن قصَّة الخلق والنشوء؛ حيث ترد عقيدة الميلاد المائي في الأساطير البابلية التي تتحدث عن ولادة الكون من المياه الأولى «نعامة» المقابلة لـ«نمو» السومرية، وكذلك في الحضارة المصرية القديمة فإنَّ «رع» هو أول إله يخرج من المياه الأولى، ومنه خرج بقيّة الآلهة، وفي الأساطير الإغريقية فإنَّ «أوقيانوس» هو المياه الأولى الذي انبثق عنه الكون.

لوحة تخيلية لمدينة بابل على ضفاف نهر الفرات – المصدر

تتماثل هذه النظرة مع فكرة الديانات السماوية عن قصة الخلق والنشوء، يحث يرد في التوراة «وكانت الأرض خربة وخالية، وروح الرب يرف فوق وجه الماء» سفر التكوين. وخروج الحياة من الماء ورد أيضًا في القرآن الكريم «وجعلنا من الماء كل شيء حي».

Embed from Getty Imageswindow.gie=window.gie||function(c){(gie.q=gie.q||[]).push(c)};gie(function(){gie.widgets.load({id:’oPOklZDVRBFJIHpFBLHbSg’,sig:’SquCh65W-cq3i4lFEI_nh1FwWpGN4jCTv0PbaZppQRQ=’,w:’511px’,h:’594px’,items:’501578183′,caption: true ,tld:’com’,is360: false })});

خريطة ونقوش مسمارية توضح وجهة نظر البابليين عن العالم

قصر آشوربانيبال، ملك العالم، ملك الآشوريين، الذي يؤمن بآشور وإنليل، والذي أعطاه نابو تاشميتو آذانًا صاغية، والذي وُهب نفاذ البصيرة، حكمة نابو، إشارات الكتابة، مهما كانت أعدادها المبتكرة، قد كتبتها على الألواح، ورتبت الألواح في سلاسل، وجمعتها، ولأجل تأملاتي وتلاواتي الملكية، وضعتها في قصري* آشوربانيبال متحدثا عن نفسه

آشوربانيبال، آخر ملوك الإمبراطورية الآشورية القديمة، يُسميه اليونانيون والرومان ساردانابولوس، وجاء ذكره في التوراة باسم «أُسنَفَّر»، وقد حكم آشوربانيبال بين عامي 669 و627 ق.م. وكان آخر ملوك الدولة الآشورية العظيمة؛ ففي عهده أصبحت آشور قوة عالمية وضمَّت بابل وبلاد الشام وبلاد فارس ومصر.

كان آشوربانيبال ملكًا عالمًا ومولعًا بالآداب، ومن أجل هذا أسس مكتبته الشهيرة في نينوى التي تُعد الأكبر في عصره، فقد احتوت على أكثر من 30 ألف لوحٍ من الطين، كما ضمَّت المكتبة ملحمة جلجامش ملك أوروك الذي قتل الوحش خمبابا وأخذ من غابات الأرز عشبة الخلود.

يعتقد آشوربانيبال أنَّه كاتب، بالإضافة إلى كونه ملكًا، وهذا ما ميزه عن أسلافه من ملوك آشور، الذين لم يتعلم أحد منهم فن الكتابة، وقد كانت مكتبته مخصصة لاستعماله الشخصي، ويرى أنَّ القوة التي نشأت عن فن الحروف كانت في يده.

من يغتال جميلات «إنستجرام» في العراق؟

 

سباقون في الفلك والرياضيات

الألواح تضمنت حسابات هندسية تقوم على أساس مساحة الشكل الهندسي شبه المنحرف، وعلى القاعدتين العريضة والضيقة له، وكان يعتقد أن الفلكيين في بابل لا يعتمدون إلا على المفاهيم الحسابية وليس الهندسية* ماثيو أوسندريفر

كان البابليون القدماء أول من استخدم «الهندسة المعقدة» –وهي فرع الرياضيات الذي يتعامل مع الأشكال- ويعني ذلك أنهم عرفوها قبل 1400 سنة على الأقل من التاريخ الذي كان يعتقد العلماء أنه الاكتشاف الأول لها.

يقول ماثيو أوسندريفر أستاذ التاريخ القديم بجامعة مبولت في برلين: «لم يكن أحد ليتوقع ذلك» وأشار إلى الأساليب المتبعة في الألواح السومرية التي كانت متطورة لدرجة كبيرة في تتبع مسارات الكواكب على الرغم من أنّها تسبق بوقت طويل ظهور علم التفاضل والتكامل.

ويضيف أوسندريفر في دراسة نشرتها دورية «ساينس» تضمنت تحليل أربعة ألواح منقوشة باللغة المسمارية القديمة أن هذا النوع من فهم العلاقات بين السرعة والزمن والمسافة كان يعتقد أنّها لم تظهر إلا في عام 1350 بعد الميلاد، وأنَّ هذه الأساليب تماثل ما استخدمه علماء القرن الرابع عشر الميلادي بكلية ميرتون التابعة لجامعة أوكسفورد.

Embed from Getty Imageswindow.gie=window.gie||function(c){(gie.q=gie.q||[]).push(c)};gie(function(){gie.widgets.load({id:’bmPJgl_OQwJJA6Eeo_Ze2A’,sig:’FWPH3Ih4L5EtyjBa9PrOPiEQzRtNfnEzQ7O7AYVUD4U=’,w:’594px’,h:’508px’,items:’959902186′,caption: true ,tld:’com’,is360: false })});

لوح فلكي بابلي يرصد كوكب الزهرة

اكتشف البابليون القدماء طرقًا ونظريات رياضية معقدة، فقد توصلوا إلى حل مسائل المعادلات الخطية ومعادلات الدرجة الثانية باستخدام طرق تشبه كثيرًا تلك التي ما زالت تستخدم في علم الجبر حاليًا. وقد ورد في إحدى الألواح الطينية البابلية الموجودة الآن في العاصمة الألمانية برلين حلٌّ لمسألة قطر المثلث الذي طول ضلعيه 40 و10 على التوالي على الوجه التالي: 40+102 (2×40).

كان النظام العددي في الرياضيات البابلية نظامًا ستينيًا (sexagesimal syste) ومنه أُخذ استعمال 60 ثانية للدقيقة، وكذلك 60 دقيقة للساعة، و360 (6×60) درجة في الدائرة.

Embed from Getty Imageswindow.gie=window.gie||function(c){(gie.q=gie.q||[]).push(c)};gie(function(){gie.widgets.load({id:’SaHjaUgcR0ZSOorgWwkRug’,sig:’6WF1JtiP5wR7gmR8DB-kjydO9WvHM1uNgF2t2ccZHYM=’,w:’594px’,h:’396px’,items:’501581743′,caption: true ,tld:’com’,is360: false })});

لوح بابلي لمسائل هندسية

يعتبر الجمع بين الشكل (الهندسة) والعدد (الجبر) هو المرحلة الأولى في تطور الرياضيات في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة، وهو الاتجاه الحديث للرياضيات الحديثة، ومنه نشأت الهندسة التحليلية منذ القرن السابع عشر على يد العالمان ديكارت وفيرمان، في حين أن الرياضيين اليونان لم يهتموا بالجمع بين الشكل والعدد وإنما أولوا اهتمامًا بالشكل فقط الهندسة على حساب العدد كما في هندسة إقليدس، وكذلك حل المعادلات الجبرية بطرق هندسية.

لماذا لن تتخلى إيران عن اعتبار العراق جزءًا من أملاكها القديمة؟

الاتجاه العددي الجبري في رياضيات بلاد الرافدين القديمة بالمقارنة مع الاتجاه الهندسي في الرياضيات اليونانية مثّل العلاقة المعروفة بين مربعات أضلاع المثلث قائم الزاوية وهو ما يُعرف «بنظرية فيثاغورس»،  حيث إن رياضيي بلاد الرافدين اكتشفوها قبل فيثاغورس بحوالي 177 سنة، إذ كان ينظر إليها البابليون على أنّها علاقة عددية فيما عدّها اليونانيون علاقة هندسية وعبروا عنها بأن «المربع المنشأ على وتر هذا المثلث يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين»، وقد جمعوا مساحة المربع إلى طول ضلعه أو طرحه منها لتكون معادلة من الدرجة الثانية، ويدل هذا على أن المفاهيم الهندسية كانت ثانويةً في الجبر البابلي.

 

حاضرة العباسيين ومنارة العالم

بنى الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد عام 762م لتكون عاصمة الخلافة الإسلامية، في موقع جغرافي يسمى بـ«خاصرة العراق» وهي أرض يدنو فيها نهرا دجلة والفرات من بعضهما ولكن لا يلتقيان.  اكتمل بناء بغداد عام 766م واستخدم ما يقارب 100 ألف مهندس معماري وحرفي وعامل بناء بحسب ما ذكر المؤرخ أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي في كتابه «البلدان».

التصميم الدائري للمدينة جعلها متفردةً من بين مدن العالم حينذاك، وفي كتابه «تاريخ بغداد» يقول الخطيب البغدادي: «لا توجد مدينة أخرى في العالم دائرية الشكل» وكانت تحتوي على أربعة أبواب هي: باب البصرة وباب الكوفة وباب الشام وباب خراسان، ويتوسط المدينة قصر المنصور الممتد على مساحة 33 ألف متر مربع، وتحمل قمته قبة خضراء بارتفاع 40 مترًا، وُضِع عليها تمثال لفارسٍ يحمل سيفًا في يده، يقول عنه الخطيب البغدادي أنّه يستدير مثل البوصلة، ويوجه سلاحه إلى الجهة التي سيأتي منها أعداء الخليفة.

ازدهرت في بغداد العلوم الإنسانية لكنَّ المدينة بلغت أوج مجدها في عهد الخليفة هارون الرشيد، حيث أُسست المكتبات وبُنيت المستشفيات والمدارس ونشطت حركة التأليف والترجمة والاختراعات.

رسم لمدينة بغداد الدائرية في القرن العاشر-  «الجارديان»

في بغداد كنت تجد دار الحكمة، أسسه الخليفة هارون الرشيد ليتعهد بالتأليف وترجمة الكتب اليونانية والفارسية في العلم والفلسفة إلى اللغة العربية، وقد أوكل الرشيد مهمة الترجمة إلى يحيى بن ماسويه الخوزي، وضم بيت الحكمة مئات المؤلفين والمترجمين والخازنين الذين يتولون تخزين الكتب، والمجلدين وغيرهم من العاملين، وقد تُرجمت فيه كتب أرسطو وفرفوريوس الصوري وبطلميوس وإقليدس وغيرهم.

كانت اللغات المتداولة في بيت الحكمة هي العربية والفارسية والآرامية والعبرية والسريانية واليونانية واللاتينية، وقد بلغ نشاط بيت الحكمة المعرفي ذروته في عهد الخليفة المأمون الذي كان يشرف عليه شخصيًا، ويختار العلماء المتمكنين للعمل في البيت كما حدث ذلك مع أبي يوسف يعقوب الكندي الذي جعله المأمون مسؤولًا عن ترجمة أعمال أرسطو لعلمه الغزير في الطب والفلسفة والرياضيات والفلك.

ومن أشهر علماء دار الحكمة محمد بن موسى الخوارزمي، مؤسس علم الجبر ومكتشف الطريقة الهندسية لحل المربعات المجهولة والتي تسمى اليوم بالمعادلة من الدرجة الثانية، وأولاد موسى بن شاكر (الحسن، وأحمد، ومحمد) الذين اشتهروا ببراعتهم في الرياضيات وعلم الحيل (الهندسة الميكانيكية)، وقاسوا الحركة المتوسطة للشمس، ووضعوا تقويمات لمواضع الكواكب السيارة، كما شاركوا في حسابات معقدة ومضنية لقياس محيط الأرض.

أعاد الألماني «زيغفريد تسيلينسكي» وفريق عمله تركيب هذه الآلة الموسيقية الأوتوماتيكية وفقاً للخطط التي وضعها بنو موسى قبل اثني عشر قرناً تقريباً- موقع «قنطر»

وانطلاقًا من بيت الحكمة بدأ الفلكيون قياس الأرض قياسًا جديدًا ودقيقًا، وقاموا بأرصاد مهمة بعد تأسيس مرصد الشماسية في بغداد، والذي يُعد المرصد الفلكي الأول في الحضارة الإسلامية، وتمت فيه أولى الأرصاد الفلكية، ومنه خرجت الجداول الفلكية التي عُرفت بالأزياج الفلكية.

وفي بغداد أيضًا جرى قياس ميل فلك البروج بطريقة دقيقة جدًا بلغت 23 درجة و34 دقيقة وثانيتين على يد العالم الفلكي الشريف أبي القاسم ابن الأعلم في مرصده الخاص، كذلك رصدت الكواكب السبعة من مرصد شرف الدولة في بغداد سنة 378هـ وكان أكثر تطورًا من المراصد الأخرى التي سبقته.

بين بغداد «العالمة» وفرنسا «الجاهلة»

أرسل الخليفة العباسي هارون الرشيد ساعةً مائية إلى شارلمان إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة 768-814م مصنوعة من النحاس الأصفر، بارتفاع أربعة أمتار وتتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة تسقط منها عدة كرات معدنية، يتبع بعضها بعضًا بحسب عدد الساعات فوق قاعدة نحاسية، فتحدث رنينًا جميلًا في القصر الإمبراطوري، وكانت الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منه فارس يدور حول الساعة، ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه، وعندما تحين الساعة الثانية عشر، يخرج اثنا عشر فارسًا مرة واحدة يدورون دورة كاملة، ثم يعودون من حيث خرجوا، وتُغلق الأبواب خلفهم.

أثارت الساعة دهشة الملك وحاشيته، واعتقد الرهبان بوجود شيطانٍ بداخل الساعة يسكنها ويحركها، وجاءوا إلى الساعة أثناء الليل، وحطموها بالفؤوس، إلا أنَّهم لم يجدوا الشيطان داخلها، وقد حزن الملك شارلمان واستدعى حشدًا من العلماء والصُناع المهرة لإصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، لكنهم فشلوا في ذلك، فعرض عليه بعض مستشاريه أن يخاطب الخليفة هارون الرشيد ليبعث فريقًا عربيًا لإصلاح الساعة، فقال شارلمان: «إنني أشعر بخجل شديد أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عارًا باسم فرنسا كلها».

 

الثورة العلمية في العراق كانت تشمل كل فروع المعرفة ومنها الطب حيث شهدت بغداد العباسية إنشاء عدد كبير من «البيمارستانات» المستشفيات ومخازن الأدوية التي تُعرف بالصيدليات في لغة عصرنا الحديث. وقد بنى هارون الرشيد البيمارستان وعهد إدارته إلى الطبيب جبرائيل بن بختيشوع وغيره الكثير مثله كالبيمارستان الصاعدي أيام المعتضد، والبيمارستان المقتدري الذي بناه المقتدر سنة 306هـ وبيمارستان ابن الفرات الذي أنشأه الوزير أبو الحسن علي بن الفرات، والبيمارستان العضدي.

دوّن أطباء بغداد آراءهم الجديدة في الطب، واستخدموا الكاويات في الجراحة، ووصفوا الماء البارد لقطع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وخياطة الجروح، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصى من المثانة، واستخدموا المرقّد (المخدر) والذي كان يدخل في تركيبته الأفيون والحشيش.

الموسيقى كان لها نصيبها من التطور والازدهار في العراق، وخاصة في بغداد التي صارت قبلة للباحثين عن العلم والجمال، ولعل علامة الموسيقى الفارقة حينذاك – بالإضافة إلى المغنية قمر البغدادية وإبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق – كان أبو الحسن علي بن نافع الملقب بـ«زرياب» على موعد مع الخلود؛ حيث درس الموسيقى وتتلمذ على يدي الكندي والفارابي، ومن ثم هاجر إلى المغرب، ومنها إلى الأندلس، حاملًا معه الموسيقى الشرقية التي تُعرف اليوم «بالموسيقى الأندلسية».

شهد العراق أيضًا نشوء المذاهب الفقهية الأربعة، وعلم القراءات والحديث والفقه واللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا وفن العمارة والزخرفة، وظلت المعارف تتطور حتى سقطت بغداد بيد المغول عام 656هـ فدخلت نفق العصور المظلمة.

 

بالأرقام والمناطق.. تعرف إلى خريطة «التنوع الطائفي» في العراق

The post ليست أرض النفاق! هكذا كان العراق درة في تاج الحضارة الإنسانية عبر التاريخ appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.