عالَم فيسبوك

0


سألني صديق لا يمتلك حسابًا شخصيًّا علي الفيسبوك ببراءة طفوليّة بعد أن تجوّل في صفحتي الخاصّة: «إذا كان الجميع على الفيسبوك صالحًا صادقًا تقيًّا ورومانسيًّا ومخلصًا وذا مبادئ. يشعر بالفقير ويعاني من طعنات القريب وغدر الصّديق، فما بال حال مجتمعنا مزرٍ هكذا؟ ومن الّذي يطعن ويكذب ويغدر ما دام الكلّ مطعون ومغدور به؟!! أضحكني سؤاله الّذي هو لسان حالي أيضًا. فسواء كان هذا الفيسبوك عالمًا حقيقيًّا أو وهميًّا، فشئنا أم أبينا هو واقع يفرض وجوده في عصرنا التّعيس. وهو إن لم يكن واجهة حقيقيّة لأصحابه الّذين يدعون بأغلبهم الصّلاح والمثاليّة فهو واجهة حقيقيّة للمجتمعات. وإذا أردت أن تتبّع رقيّ مجتمعات أو انحدارها فتّش في  وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بهم.

غالبًا في مجتمعنا مثلًا النّفاق سمة أساسيّة. فلا يهمّ مضمون ما تنشر أو تشارك ليتمّ التّفاعل معه. ما يهمّ كونك رجلًا أم أمرأة، غنيًّا أم فقيرًا، صاحب نفوذ أم وضيعًا، عدوًّا أم صديقًا، قريبًا أم غريبًا. في بعض الأحيان تتحوّل بعض المنشورات الّتي لا قيمة لها لأصحاب النّفوذ أو الفلوس أو الوجوه إلى حفلات حيّة من النّفاق الفجّ الرّخيص عن هذا المعنى العميق خلف العطسة!

ومثلًا تجد بعض السّيّدات بعد أن تمطرنا بصورة شبه أسبوعيّة بصورها الشّخصيّة بأوضاع شتّى وبعد اختيار الصّورة المُعتبرة المُغريَة لبروفايلها تتحدّث وتفتي في كلّ شيء حتّى السّياسة، سواء كانت معارضة أو مؤيّدة. فهي غالبًا لا تفقه فيها شيئًا ولا تمثّل لها سوى واجهة اجتماعيّة تكمل بها دائرة حياتها العقيمة. وبالطّبع يتفاعل المراهقون معها من الرّجال كونها أنثى. والمسكينة المريضة تظنّ نفسها خبيرة وتهين هذا وذاك وتتّهم هذه وتلك وبلوك لفلان وعلان خارج مملكتها «صفحتها». فهي تقول دومًا على نفسها أنّها أميرة وصفحتها مملكتها! وتفتخر دومًا بعدد أصدقائها الّذين تجاوزوا العدد المسموح به. وتنشر دومًا عدد من هم في قائمة الانتظار ولا تعرف أو ربما تعرف أن الرّجال هكذا على مرّ العصور  مهما علا شأنهم يتهافتون على الرّاقصات!

في مجتمعنا التّديّن الزّائف من سمات الفيسبوك الأساسيّة. فهل يعقل مثلًا أن نتلو الصّلوات على صفحات الفيس؟ الصّلاة تلك العلاقة الشّخصيّة الدّقيقة جدًّا بين العبد وربّه.

من أسوأ الخصائص في الفيسبوك خاصّيّة «share» أو المشاركة الّتي تنقل المعلومات والأخبار دون التّحقّق من صحّتها بسرعة رهيبة، بما فيها من خوض في الأعراض وسمعة أشخاص وأسرهم. فتُدَمّر حياتهم جراء هذه الخاصّيّة اللّعينة. فالّذي يستخدم هذه الخاصّيّة في غالب الأمر لا يفكّر قبل أن يفعل لأنّ الأمر لا يحتاج سوى لبضع ثوانٍ لتفعيلها عكس الّذي يكتب أو ينقل. فهو على الأقل سيفكّر قبل أن يفعل ويستنفد بضع دقائق من وقته!

من أكبر مخاطر الفيسبوك أن يكون معرضًا للحياة الشّخصيّة والعاطفيّة. فذلك تهديد واضح للسّلم الاجتماعي. ناهيك عن التّفكّك الأسري الّذي يحدثه نتيجة انشغال كلّ فرد في الأسرة بعالمه الوهميّ!

بالطّبع لو خضنا في أخطار هذا العالم الوهميّ لن يكفي حبر أقلامنا للخوض فيه. ولكنّي أدعو كلّ ربّ أسرة إلى القراءة جيدًا عن هذه المخاطر الّتي ناقشها كثير من أساتذتنا الكرام، ومنهم الدّكتور أحمد عكاشة الذي وصف تأثير الفيسبوك علي خلايا المخ بنفس تأثير المخدرات، قبل أن يسمح لمراهقه ولنفسه بإنشاء صفحة على الفيسبوك وارتكاب هذه الجريمة في حق أسرته!

أخيرًا في رأيي الشخصي ليس لهذا الفيسبوك سوى ميزتين ليس من ضمنهما معرفة أخبار الأقارب والأصدقاء كما يدّعي الغالبية! أوّلهما معرفة أشخاص كان من المستحيل معرفتهم في الحياة الحقيقيّة ربّما لبعد المسافة أو الحال، وثانيهما تسويق المنتجات والأفكار وما فيها من أدب وشعر وخلافه.

The post عالَم فيسبوك appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.