ربيع عربي أم خطوات في «فراغ عدمي»؟

0


منذ أيام قليلة شهدت إسطنبول ندوة حول كتاب للمفكر الموريتاني وأستاذ علم الأخلاق السياسية في جامعة حمد بن خليفة في قطر الدكتور «محمد مختار الشنقيطي» حول كتابه الأخير: (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية: من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي)، ورغم أن الندوة جرت في 4 محاضرات عبر يومين إلا أنه من اليوم الأول دار نقاش عميق مطول حول الربيع العربي.. واقعه، تحدياته، آفاقه المستقبلية؛ وآفاق الأسئلة كان أكثر صخبًا من رائق الأفكار وقوي المعاني والاجتهاد للمحاضر.

وعقب نهاية المحاضرة الثانية وفعاليات اليوم الأول قال صاحب هذه الكلمات  للدكتور «الشنقيطي» في مداخلة: إنني لأرى آفاق الأمل مترعة تتناثر بين ثنايا الأفكار؛ ومن قبلنا عقب تحرر وطننا العربي من الاحتلال ـ لا الاستعمار ـ خلال عقود من القرن الماضي كانت الآمال في التقدم والازدهار والوحدة تملأ أفق وطننا فما حققت الأيام منها شيئًا، والنفس البشرية في النهاية تأمل في أن تضبط مؤشر حركاتها وسكناتها وطلبها للأمل أن يكون له ميقات.

أجاب المحاضر ـ بحضور ذهن قوي ـ وأوضح أن علينا نشر الفهم والوعي باعتبارنا طبقة مثقفة بين أرجاء الأمة وأن نثق أن الغد مقبل بإذن الله؛ بخاصة في ظل ربيع عربي مزدهر وإن تعثر في بدايته، وبين ثنايا الكلمات قال الدكتور «الشنقيطي» إنه يرى أن ثماني سنوات فترة كافية لجلب أمل كاف لنجاح الثورات وربما بداية ازدهار دولها العربية.

ومع الاعتزاز بكلمات المحاضر والتأمين عليها، إلا أن الواقع كان أكثر فجاجة وحملًا للآلام أمام النفس؛ بخاصة أن طريق إفاقة كثير الأهل في مختلف الدول العربية ومنها دول الربيع العربي ما يزال طويلًا وممتدًا؛ فما تزال ليبيا منشقة، منقسمة تعاني طوفان التدخل الخارجي وطغيان نفوس بعض أهلها ـ على الأقل ـ، وفي الجوار تقبع مصر في وضع لم يخطر على بال أسوأ الثوار ظنًا في غد عشية 11 من فبراير (شباط) 2011، لما ظن الجميع أن ثورة شعبية نجحت في 18 يومًا في إصلاح وطن عانى من حكم العسكريين والظلم والطغيان لعشرات السنوات على الأقل، أو منذ 1952 على نحو مباشر، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، إن لم يكن قبله بسنوات طويلة.

تقبع مصر تحت نير قهر وظلم وآلة عسكرية لا ترحم منذ 5 سنوات وأيام ولا يبدو في الأفق طيف حل؛ فيما اليمن يعاني من ويلات حرب تشنها دول التحالف العربي بقيادة السعودية، ومن أوضاع إنسانية بالغة التردي، فيما الثورة السورية التي اشتعلت بالسلاح لا مبشر لإمكانية نجاح الثوار ولملة أطراف بلادهم.

وفيما المواطن العربي هنا وهناك يعاني حتى النخاع ولا يستطيع لملمة جهوده مع المخلصين من أمثاله لا في بلده ولا في بلاد الربيع العربي، أهل الباطل يوحدون الجهود ويتكاثرون ويجمعون أنفسهم على المصلحة الخاصة.

ومع التسليم بأن إفاقة الأمة أمر يسير إن أراده الله تعالى، إلا أن التفاؤل ينبغي أن تكون له مقوماته وأسبابه حتى لا يسقط في فخ «الحرب النفسية» التي تدعو للأمل المشرق البراق ثم يعقبها الندم القوي والانكسار إلى ما لا حدود.

بعد الندوة بأيام شهدت مدينة إسطنبول بتنظيم من «منتدى الوسطية» بالتعاون مع هيئة «علماء المسلمين في العراق»، المؤتمر الدولي المشترك الأول: «الرؤية المقاصدية وأثرها في نهضة الأمة»، وعلى هامش يوم المنتدى الأول جمعتني جلسة خاصة بمجموعة محدودة من خيرة علماء الأمة، فقال عالم دين ليبي مهاجر إنه يخشى أن الراحل «معمر القذافي» لم يكن يحارب الإسلام نفسه بل مَنْ يُطلق عليهم «الإسلاميين»، وأن الليبيين الذين صاروا يحملون السلام ويقتلون بعضهم تلزمهم سنوات من الوعي لكي يعودوا لرشدهم، وأن ثاني أيام سقوط الدكتور «محمد مرسي» عن رئاسة مصر أخذت القوى المضادة تكشر عن أنيابها بقسوة، بعد أن كانت تتوارى خجلًا في ليبيا، وإن الإخوان في مصر رغم أخطائهم الفادحة إلا أنهم لم ينجرفوا لتسليح الثورة، وهذا يكفيهم كبعد نظر!

أما العالم التونسي فقال: «إننا تمسكنا بالمتاح لما رأينا إخواننا في مصر يُفرطون في الآمال فيُضربون في العمق، وإن الحفاظ على شمعة الأمل وإن كانت محدودة أولى وأفضل من كسرها!».

أما العالم الجزائري فقال إنه يخشى «عشرية سوداء» في مصر تحصد 200 ألف نفس بشرية، وفق الإحصائية الرسمية الجزائرية للدولة.

وفي المنتصف قال لي رئيس حزب مصري أُنشأ عقب يناير (كانون الثاني) 2011 إنه لا يرى «نصرًا» في مصر إلا بعد «حمل السلاح».

أما أقوال العلماء فزادت النفس ألمًا واطمئنانًا إلى أن مسيرة الوعي ما تزال بعيدة، وأما قول الشاب فأطاح بكلمة «بعيدة» الأخيرة إلى آفاق مديدة!

The post ربيع عربي أم خطوات في «فراغ عدمي»؟ appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.