حتى لا يموت الخطباء!

0


في بداية انتفاضة الأقصى سنة 2000، كان الخطباء يلهبون مشاعر الجماهير الفلسطينية بالخطب الجهادية الحماسية التي تتحدث عن الجهاد والشهادة، لدرجة أن بعض الناس كانوا يكبرون أثناء الخطبة لشدة تأثرهم وانفعالهم بما يقوله الخطيب، وكان الناس ينطلقون في مسيرات حاشدة بعد خطب الجمعة، وكانت الذائقة الشعبية آنذاك لا تميل للخطباء الهادئين، أو الذين يقتصرون في خطبهم على المواضيع الروحانية والاجتماعية.

مرت السنوات، وتقريبًا مع سنة 2007م ونظرًا لأحداث عديدة تعرض لها المجتمع الفلسطيني، بات الجمهور الفلسطيني – خاصة في قطاع غزة الذي أسكن فيه – يميل للخطب التي يتحدث فيها الخطباء عن الموضوعات الروحانية والاجتماعية، ولا يميلون لسماع الخطب السياسية، أو الحماسية.

وهذا التحول في المزاج الشعبي تقف وراءه أسباب عديدة، منها أن حركات المقاومة التي كان خطباؤها يقدمون الخطاب الجهادي الحماسي، كانت محرومة من المنابر الإعلامية التي ترسل من خلالها رسائلها للجمهور، فكان منبر الجمعة هو منبرها الوحيد تقريبًا، وكان الجمهور – وخاصة الشباب – متشوقًا لهذا الخطاب، ثم دار الزمان فامتلكت تلك الحركات فضائيات، وإذاعات، ومواقع إنترنت… إلخ. فوصل المجتمع الفلسطيني إلى حالة من التشبع من الخطابات السياسية، والتي لا تخلو من الروح الحزبية أحيانًا، وأصبحت لديه حالة من التعطش للقضايا الروحية التي تهذب الروح، وتروي عطش القلوب، إضافةً لميل الناس لمناقشة المشكلات الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع من خلال منبر الجمعة.

ربما من الأسباب الأخرى التي صنعت هذا التحول: حالة اليأس والإحباط التي يحياها جزء كبير من المجتمع الغزي من الحالة السياسية والاقتصادية التي وصل إليها القطاع المحاصر.

بالتأكيد هناك أسباب عديدة تقف وراء هذه التحول ليس لدى فئة بعينها، بل لدى غالبية المجتمع الفلسطيني كما أظن، مع الإقرار بعدم وجود دراسات وإحصاءات عندي ترصد هذه الحالة.. وليس هدف المقال أن يعزز جانب رفض الطرح السياسي، فهناك قضايا سياسية لا يليق بمنبر الجمعة ألا يتعرض لها، بل يعد من غير المقبول أن يكون المجتمع طوال الأسبوع مشغولًا بقضية كالقدس أو معاناة الأسرى ثم يأتي الخطيب ليتحدث في قضية روحانية بعيدة عن ذلك، لكن كل ما يريده المقال أن ينتبه الخطباء –في كل العالم- للتحولات التي تحدث، وأن تكون لديهم حاسة استشعار لها، وألا يستمروا في الحديث على موجة بات الجمهور لا يستقبل عليها.

أحيانًا تقوم الأنظمة الحاكمة بقتل المنبر من خلال جعله يتحدث بلغة ميتة، ولكن الأخطر أن يساهم الخطباء أنفسهم في جريمة قتل المنبر وذلك إذا كانوا لا يحسنون بث الحياة في كلماتهم، وخطبهم، فمنبر الجمعة يجب أن يكون حيًا يخاطب الأحياء، وليس من وظيفته طرح قضايا ماتت ومات أصحابها، وترك قضايا تعصف بالأجيال عصفًا، كالخطيب الذي يتكلم عن اختلاف السلف في أسماء الله تعالى وصفاته، في عالم يزداد فيه عدد الذين ينكرون وجود الله أصلًا!

لم يعد مفضلًا اليوم طرح الأوامر أو النواهي الشرعية دون بيان أهدافها وأسرارها، في ظل تطور معرفي وفكري بات فيه المتعلمون، لا يقولون فيه في كثير من الأحيان: سمعًا وطاعة، إلا بعد أن يعرفوا لماذا؟ وما الحكمة؟

وهناك قضايا كان الهدف من طرحها قديمًا بيان أهميتها، ثم أمست الأهمية نقطة اتفاق، وصار التساؤل حول: كيف؟ فتربية الأبناء مثلًا يتفق الجميع على أهميتها، لكن الآباء والأمهات اليوم يبحثون عن الوسائل والآليات.

في القرن الماضي كان بعض الخطباء المتميزين تستمر خطبهم قرابة الساعة، وتتمنى الجماهير لو طالت أكثر من ذلك؛ لأنهم لم يكونوا يستمعون لهم إلا في خطبة الجمعة، لكن الأمور اليوم تغيرت، فالناس يريدون سماع شيءٍ مختصر كالوجبات السريعة، وأما بقية التوعية والتثقيف فبإمكان الخطيب أن يخاطبهم بها من خلال الإنترنت، وهم جاهزون للتلقي في بيوتهم وعبر حواسيبهم وجوالاتهم، وهذا ليس في مجال الخطاب الديني فحسب، بل في كل المجالات.

إذا لم يكن القائمون على الخطاب الديني مدركين جيدًا للتحولات المجتمعية التي تحدث، فإن موكب الحياة لا ينتظر الغافلين.. في كتاب (الخروج من مأزق أوسلو) كتب السياسي الفلسطيني الراحل هاني الحسن: إن الموت في السياسة ليس الموت الجسدي، وإنما هو عدم إدراك الجديد.. هذه المقولة تنطبق إلى حد كبير على الخطاب الديني، فالخطاب الذي لا يدرك الجديد هو خطاب ميت، لا يخاطب الأحياء بل يخاطب الأموات، وسيكون صاحبه في واد، والناس ومشكلاتهم في واد آخر، وكما قيل: من لم يتجدد يتبدد، ومن لم يتقدم يتقادم.

The post حتى لا يموت الخطباء! appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.