«حتى أنت يابروتس»؟! لماذا تصدر أغلب الطعنات عن المقربين؟ 

0


«حتى أنت يابروتس؟!»

عبارة شهيرة وردت في مسرحية وليام شكسبير التي جسدت مشهد اغتيال قيصر روما بعد أن تآمر عليه أفراد حاشيته وانهالوا عليه بطعناتهم داخل مجلس الشيوخ. من بين المتآمرين كان بروتس صديقه وأعز الناس إلى قلبه والذي حصل منه على عدة مناصب وأوسمة وامتيازات حتى ظنه البعض ابنًا له.

قبل أن يسقط القيصر أرضًا لافظًا أنفاسه الأخيرة، قال عبارته التي خلدها التاريخ والتي بقيت ترمز على مر العصور إلى الغدر والخيانة الصادرة عن أقرب الناس.

تأخذ الخيانة صورًا ومواقف متعددة كإفشاء سر أو سلب ممتلكات أو خذلان عاطفي، وتتلخص عمومًا في إلحاق الأذى بالآخرين في سبيل تحقيق مصلحة شخصية. فلماذا دائمًا تأتي الخيانات من أقرب الناس لنا؟

الأمر ليس وليد اليوم، فأول جريمة عرفتها البشرية كانت بين أخوين (قابيل وهابيل)، لم تمنع صلة القرابة أحدهما من إراقة دم الآخر . والتاريخ  الإسلامي حافل بقصص الجرائم والدسائس والخيانات المرتكبة من طرف الأقارب كإخوة نبي الله يوسف وامرأتي نوح ولوط وأعمام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

تختلف الأسباب حسب المصالح المنشودة وحسب التركيبة النفسية للضحية والجاني، لكن تبقى أبرزها:

-إن علاقتنا بالآخرين تقوم غالبًا على التوقع، وإزاء الأقرباء من الطبيعي والمنطقي أن نرفع سقف توقعاتنا إلى أعلى درجاته، فنكشف لهم بكل عفوية ودون اتخاذ حيطة ولاحذر عن أسرارنا ونقط ضعفنا التي بإمكانهم استغلالها لصالحهم، أي نجعل الثقة الزائدة معيارًا للتعامل، وأستحضر هنا مثال الصديق الذي يخون صديقه مع زوجته أو الصديقة التي (تسرق) زوج صديقتها متجاهلين تمامًا كل ما عاشوه في الماضي من مواقف أخوية وأحيانًا كل ما تبادلوه من عهود ومواثيق.

– بحكم صلة القرابة يكون الجاني قد قام بدراسة مسبقة لشخصية الضحية دراسة تمكنه من معرفة رد فعلها بعد الطعنة مثلا لو عرف أن الضحية شخصية طيبة، أو كريمة، أو مسالمة، أو تمر بظروف خاصة تجعلها في موقف ضعف، فهذا سيزيد من جرأة الجاني نظرًا لإمكانية إفلاته من العقوبة. وأذكر هنا مثال الابن الذي يزور أو يسرق ممتلكات الأب أو الأم كونهما طاعنين في السن.

– السلطة التي تمنحها درجة القرابة في حالات معينة، كسلطة الأب على أبنائه وبناته وسلطة الأخ الأكبر على إخوته وأخواته، والتي تجعلهم يسكتون عن ظلمه لهم خوفًا من سخطه، وطمعًا في رضاه أو فقط خشية نظرة المجتمع لهم إن لجأوا إلى القانون، وكلنا قرأنا أو سمعنا عن الأب الذي يستولي كل شهر على راتب ابنته ويحول دون زواجها حتى يبقى مستمرًا في ذلك، أو الأخ الأكبر الذي يستولي على نصيب أخواته البنات في الإرث.

– شخصية الجاني: كلما كان الجاني أنانيًّا نرجسيًّا أو ذا شخصية انتهازية ورافق ذلك لديه ضعف الوازع الديني والأخلاقي، تضاعفت الحظوظ في إلحاقه الأذى بالآخرين – مهما بلغت درجة قرابتهم له – واضعًا مصلحته الخاصة فوق كل اعتبار، ومتناسيًا كل وشائج القربى وصلة الرحم.

وقع الخيانة على الجانب النفسي:

فعل الخيانة يجعل الضحية في صراع نفسي بين صوت العقل الذي يدفعه إلى إعلان الرفض والبحث عن معاقبة الجاني، وبين صوت العاطفة الذي يدعوه للتسامح، وقد تختلط عليه المفاهيم فيظن بأن إذعانه للجاني هو عاطفة حب فائضة لديه ولا ضرر من تقديمه بعض التضحية في سبيل الحفاظ على صلة القرابة. لكن في الحقيقة هو غباء وتعام، لأن الحياة أخذ وعطاء وحقوق وواجبات وبين التضحية والاستغلال خيط رفيع جدًا لا يتمكن الطيبون من رؤيته.

لا شك أن الخيانة بجميع أنواعها تحدث دمارًا وشرخًا لا يستهان به في العلاقات الإنسانية قد تتطلب جراحها سنوات وعقودًا لتندمل، وقد تبقى آثارها موشومة في أعماق الضحية إلى الأبد كما جاء في معلقة الشاعر طرفة بن العبد:

 وظلم ذوي القربى أشد مضاضة         على المرء من وقع الحسام المهند

لكن لها جوانب إيجابية كذلك، إذ تجعلنا أكثر حذرًا في المستقبل، تكشف لنا معادن المحيطين بنا الذين ما كنا نستطيع معرفة دواخلهم لو لم يصدر منهم ما صدر، تدفعنا للبحث عن نقط الضعف فينا وإعادة ترتيب أوراقنا.

مع الأسف لا توجد وصفة معروفة أو جاهزة تجنبنا الوقوع في شرك الخيانة، لأن إدراك العمق الإنساني بتركيبته المعقدة المتأرجحة بين تناقضات ومشاعر مختلفة والخاضعة لعوامل وراثية وبيئية ليس بالأمر الهين، لكن كل ما نستطيع فعله: 

-عدم المبالغة في أي سلوك أو إحساس، فوراء كل مبالغة صفعة خذلان تجعل المرارة والألم أشد، وأذكر في هذا الصدد حكمة الإمام علي بن أبي طالب (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وابغض بغيضك يومًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) ويجب اعتبار خذلان الآخرين – غرباء كانوا أو أقرباء- دروسًا في الحياة وفرصة للتعلم لا أكثر.

– -لا تربط سعادتك بأشخاص مهما بلغت درجة قرابتهم، لأن تصرفاتهم ومشاعرهم تتغير حسب مصالحهم وأهوائهم.

– حاول أن لا تبني علاقاتك مع الآخرين على التوقع، بل حاول بناءها على ما لاحظته من سلوكاتهم وتصرفاتهم السابقة، لأن لهم شخصيات مختلفة ومهما كنت نبيلا، أو شهمًا أو كريمًا قد تقابل من يرد إحسانك بالإساءة ومودتك بالجفاء.

-لا تجعل طعنة أول قريب تفقدك توازنك، ثم تستعذب دور الضحية وتبقى أسيره، بل حاول أن تلملم شتات روحك وترمم شقوقها، لأن الحياة يجب أن تستمر، وكن على يقين أن من خدعك سيُخدع، ومن ظلمك سُيظلم، فكما تدين تدان، والديون تُسدد ولو بعد حين.

 

The post «حتى أنت يابروتس»؟! لماذا تصدر أغلب الطعنات عن المقربين؟  appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.