جحا والفساد

0


يُحكى أن جحا استعار من أحد جيرانه وعاء، ومرت الأيام ثم سأله جاره عن الوعاء الذي أعاره إياه، فكان رد جحا: أولًا، لا أذكر أنني استعرت منك أي وعاء. ثانيًا، إن وعاءك مثقوب أصلا. ثالثًا، لقد أعدته إليك منذ زمن بعيد.

ما أشبه قصة جحا والوعاء بقصة الأنظمة العربية والفساد عندما تردد في كل مرة نسأل فيها عن نفس الوعاء؛ أولًا، ليس هناك فساد داخل الدولة. ثانيًا، الفساد تركة عقود من الزمن. ثالثًا، لقد قضينا على الفساد منذ زمن بعيد.

لا أذكر أنني استعرت منك أي وعاء

أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها حول مؤشر مدركات الفساد لسنة 2017، وما يثير انتباهنا منذ الوهلة الأولى هو تصدر 5 دول عربية لقائمة الدول العشر الأكثر فسادًا. وإذا كانت أضعف هذه الدول العربية في مواجهة أعدائها، أقواها في مواجهة شعوبها، فإنه من البديهي أن الفساد فيها ليس أقوى منها. إن الفساد غالبًا، من الدولة، وهذه الطبول التي تدق بين الحين الآخر معلنة الحرب على الفساد في بعض الدول العربية ليست سوى معارك دونكيخوتية لا شيء يرجى منها سوى تلميع صورة ولي العهد أو رئيس الحكومة.

ما نحتاجه هو شعوب تحترم الحق بقدر ما تحترم القوة. إن الفساد بمختلف نكهاته (السياسي، والإداري، والقضائي) هو أحد أبرز الأسباب التي دفعت الشعوب العربية إلى الشارع، وأعني هنا فساد الحكام في حق شعوبها، لكن أقسى أنواع الفساد هو الذي تمارسه الشعوب على نفسها، إذ يشير تقرير منظمة الشفافية الدولية إلى أن الفقراء هم الأكثر تضررًا من هذه الظاهرة، وهم غالبًا أول من يدفع الرشاوى لكي يحصل ابنه على وظيفة بعد التخرج أو ليربح قضية في المحكمة. أحد «الفاسدين» قال لي يومًا إننا لا نستطيع العيش دون فساد وأنه (أي الفساد) «يساعد على دفع العجلة الاقتصادية للبلاد»، وهو ما قاله لي لاحقًا عدد كبير من الأشخاص الذين عرفتهم (أغلبهم من المفقرين). لا أدري ما الذي يلزم الإنسان ليغيّر قناعاته، لكن نفس الرجل الذي أخبرني بذلك، حدثني قبل سنوات عن الثبات على الحق وإن لم تكن طريقه سالكة، وعما ينتظر الراشي والمرتشي من عقاب يوم القيامة. الغريب في الأمر هو أن نفس الشعوب التي تحرم الفساد على حكامها، تبيحه لنفسها.

وعاؤك مثقوب أصلًا

اعتدنا أن نفتح شاشة التلفاز في المساء، فتأتينا أخبار عن «فاسد صغير» ألقوا القبض عليه متلبسًا أو عاملا في مطار «كمشوه» يتلقى الرشوة، دون أن نسمع شيئا عن «الفاسدين الكبار» الذين هم غالبا أقوى من الدولة أو هم جزء منها.

أما إذا كنت شخصًا «نظيفًا» في إحدى الدول العربية فقد تواجه مشاكل عديدة؛ سواء كنت مواطنًا بسيطًا يقود سيارته الشعبية متجها إلى إحدى الإدارات العمومية لاستخراج وثيقة رسمية، أو شابًا يستعد للحصول على وظيفة جديدة في إحدى المؤسسات الحكومية، لكن لا تقلق كل ما تحتاجه هو أن تتذكر بعض كلمات السر التي تختلف من بلد عربي لآخر.

لو واجهت مثلا مشكلة مع شرطة المرور في تونس أثناء القيادة في الحالة الأولى أو عند استخراج الوثيقة، فتذكر دائمًا أن كلمة السر هي «افرح بيا»، أما إذا كنت في الحالة الثانية ترغب بشدة في الحصول على تلك الوظيفة، فستكون أوفر حظًا لو كنت «تعرف سي فلان»، أو يمكن أن ترسل سيرتك الذاتية إلى أحد نواب الشعب في رسالة قصيرة عبر الهاتف. الحكاية لمن لا يعرفها ليست ضربًا من التهكم، فقد حدثت حقًا في تونس. يحكى أن سفيان طوبال، وهو عضو في مجلس نواب الشعب، أرسل لزميله في البرلمان يطلب منه إرسال السيرة الذاتية لنجله عبر رسالة قصيرة لتعيينه في خطة «معتمد». المشكلة هنا ليست في غباء النائب فذلك أمر مفروغ منه، بل المصيبة لو كانت حقًا سيرة «ابن النائب» تتسع لرسالة قصيرة.

لقد أعدته إليك منذ زمن بعيد

تؤثر ثقافات الشعوب ومعتقداتها على نظرتها للفساد والفاسدين. وللأسف لا زالت أغلب الشعوب العربية تنظر إلى المساءلة على أنها «حسد» و«تكلف»، أو هكذا يريدونها أن تعتبرها بينما يصل وعي بعض الشعوب الأخرى بأهمية المساءلة إلى درجة الإطاحة برئيسة البلاد مثلما حدث في كوريا الجنوبية سنة 2017. وإذا نظرنا أبعد من ذلك سنجد أن الشعوب الأخرى غالبًا ما تتبنى «ثقافة مشتركة» تجمعهم على نفس القيم، لليابانيين مثلا ثقافة التضحية وفداء النفس المستمدة من الساموراي، وللأتراك اعتزازهم بالقومية التركية والأناضول، وحتى للأمريكيين ذلك «الحلم» الذي يذكرهم في كل مرة بقيمهم المشتركة و«أمريكا العظمى» أما نحن فـإننا لا زلنا نبحث عن ثقافتنا المشتركة.

The post جحا والفساد appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.