العودة إلى الحياة | حمودي عبد المحسن – السويد

0


فصل من رواية   الراية البيضاء (الدرفش)  في قيد الكتابة

عنوان الفصل: العودة إلى الحياة

حمودي عبد محسن            

حدث في ذات يوم في عالم الغيب المليء بالأسرار أن حرر الحي العظيم نفسا (نيشمثا) من قيدها وسجنها الخفي لأن النفس (نيشمثا) كانت تأن وتبكي في أزليتها حين قطعت من أصلها وعاء الجسد (بغرا) والروح (الرها)، وافترقت عنهما، وغابت عنهما، وهي تقية نقية صافية بعد أن وزنت عند بوابة الحياة النورانية في المطهر، فجاءها الرد  من الحي العظيم:

ـ ارجعِ إلى موطنك الأصل!

غدت النفس (نيشمثا) تحوم في الفضاء الرحب الواسع تدور وتتلفت وتميل، لتهبط راجعة إلى منزلها، وقد بلغها الشوق والاشتياق إلى الجسد والروح. كانت تبحث بين هياكل لا تعد ولا تحصى حتى رأت أشياء عجيبة غريبة. فجأة أبصرت هيكلها، وعرفته. ههنا هبطت وحلت في هيكلها فرحة كي يتضوع بها، ويتشرب بها، ويتغذى منها مستلذا متآلفا. حينئذ حدث الاكتمال بينها وبين جسدها، ثم انبثقت الروح مع الجسد في اتحاد الشراكة البهي الوقور، فصار الهيكل جسدا وروحا بنفس، وتم إجلاء العمى عنه، وتم أشفاء الصدر من ألم الفراق، فصار له لحما ودما، وتم إجلاء الأحزان من القلب الذي راح ينبض لأن السكينة نزلت فيه، واطمأن بمحبة اللقاء. هذا كان لقاء الحياة بقدرة الحي (هيي) لأن الحي العظيم هو الحياة، والحياة منه، ومعرفة الحياة منه، وبيت الحياة منه، والنور المشع منه، فهو بذاته القوة والإرادة، وهو ذاته اللامحدودة غير المتناهية، صاحب الفضائل في البدء والنهاية.

كان ذلك بنفخة إلهية نورانية من الحي العظيم في مكانه الأرفع الأعلى في عالم الغيب والأسرار الذي يسكن عرشه بعيدا عن الكواكب، فهو الذي لا يعرف أحد مكنون عرشه، ولا بصيرته النورانية، ولا حكمته المعرفية، فهو الحي العظيم بإرادته وقدرته تخلق الأشياء.

ومن ذلك كان اتحاد الشراكة الكامل في إعادة الخلق بعد الممات، وفي نفس الوقت أيقظ همس غريب  مندا في لحظة من ذلك الزمان الحزين، فقام مندا فزعا من موته بطور السنين، وهو يسمع صوتا خافتا يترفق به، فتلقاه في هذا الحين:

/ يا صاح دقت الأجراس، وقد جرى عليك الزمان،

وأعلن موعد الرحيل في وقت ليس له مثيل.

أفق من سباتك العميق، وانهض من ثراك!

هذه ليست أرضك، وليس لك فيها ثمة وجود،

لم يكن لك فيها وقت للحياة. أرضك لم تذهب إليها بعد.

أفق، وقم بعد أن طواك الثرى، وابدأ الحياة من جديد!/

 أن ما سمع  مندا من هذا الصوت الحسن الذي كان أشبه بخفيف أجنحة هو صوت نجاة وخلاص من دار الموت، وهو لا عهد له بهذا الصوت على الإطلاق قبل موته،  فهو صوت الحي العظيم، فها هو قد أيقظه، وأنهضه من ظلمة الثرى، وما هو إلا السامع المستجيب، المخلوق في هيئة جسد وروح ونفس أنس في انقلاب زمني، فهو نفسه القائم في تكوين، وظهور، وقد عرف نصيبه من الموت في غيبة قرون في أغوار اللازمان الدنيوي. أذن هو الموصوف، وهو المختار الصالح، المستعد ليرى الزمن المعاصر. حينئذ عرف غاية خلقه كحكمة مما ذهب عنه الروع، وألبسه هذا الصوت الطمأنينة، وراح يردد مع نفسه بصوت خافت:

ـ أنا العارف بوجود الخالق الأعظم.

 ثم مشى ليدرك وجوده الحاضر سيما وقد جد نفسه بذاتها حرة طليقة تسير. ههنا غادر دار الموتى من ثغرة فيه، ثم طمست، وإذا به يقف قبالة بوابة عظيمة التي ما لبثت أن انفتحت، فخرج منها إلى الحياة، ثم طمست خلفه، ليقف فزعا أمام ما يراه، فراح يردد في طبعه البشري:

أنا الغريب أستفيق بقدرة الحي العظيم،

كادت تنفطر السماء بالدخان،

وأنا ما بين الرجاء والدعاء،

أنا فوق أرض لا تصلح للعيش الرغيد،

لا نجمة الصباح تضيء،

لا زهرة تفوح بالطيب،

لا طائر يغرد في ترنيم.

أنا أستفيق كجسم قائم يسير،

دون أن يستر جسمي غطاء،

ما التدبير؟

لم يكن عندي خيار،

لم يكن عندي ما أخشاه.

أنا أسير بين انفجار وانفجار،

هائما، تائها دون انتهاء،

صابرا، صامتا كأنني طريد.

فرأى مندا منظرا قد طرد عن عينه كل منظر : وهدة محفورة في أرض لم يقدر أن يقترب منها، توري وتذكي نفسها من نهر نار بقعر بعيد، متأججة جامحة، تصطلي وتسعر، وتضرب سماءً من دخان أسود فوقها، وتثب منها عظام وجماجم حمراء، تتراقص بزفير مدو، ثم تعيدها النار إلى قعر العذاب، وتأكلها وسط ضجيج قد صم مسمعه، وهو يقول في رعب رهيب متعجبا متأسفا متوجعا:

ـ واويلاه!

حينئذ تساءل عن هذا الويل الذي رآه هلاكا:

من هؤلاء؟!

كانت النار تفوح كما لو أنها تقول:

ـ هؤلاء أصحاب الشر.

فجأة رأى باب ضخما يفتح، فاندفع اتجاهه ودخل إلى عالم آخر، وسمع دويا هائلا، إذ شعر أن الباب قد غلقت وراءه. توقف مصعوقا من هول دوي الباب، ومذهولا في نفس الوقت  من مشهد يراه. ذلك كان أشبه بأعجوبة. أدرك انه وحده، وإن ما يحدث ليس بإرادته لأن قوة الخالق الأعظم تتحكم بمصيره. فها هو وجد نفسه في فردوس أخضر يثير الخيال، وقد تصوره أرض العهد. بقي حائرا مذهولا، وقد فتح عينيه على وسعهما متأملا هذا الخضار التي تتوزع فيه أشجار السدر والزيتون البهية السامقة، وشجيرات الآس بفروعها الكثيرة التي تحمل أزهارا ليضاء بروائح عطرة، وأوراق متقاربة بيضوية خضراء طرية ناعمة متلألئة. كل شيء كان غاية في البهاء والسكون كنوع من حياة لا نهاية لها من الجذب والعظمة. أغمض عينيه ثم فتحهما ثم تحسس وجهه لأنه أراد أن يتأكد أنه هو مجود في هذا النعيم، وأنه على ما يرام. حينئذ طرد الشك من نفسه أن المشهد الذي باغته ليس كما كان يعتقد أنه قد يكون في حلم أو رؤيا في وجوده الجديد. أجل، أنه مشهد نادر وغير معتاد حينما تأكد أنه هو موجود بجسده وعقله ونفسه، فراح يحاكي نفسه:

ـ ما معنى الحياة هنا؟

فأدرك أن لا يوجد شيء من لا شئ، فصانعه خارق  يعرف البداية منذ الأزل كما هي بدايته التي يعود إليها حيث بدأ، لذلك تم اختياره هو بحد ذاته عبر أزمان لا يعرفها وليس شيئا آخر لكنه لم ير أحدا، ولم يره أحد، ولم يتمكن أن يتعرف لذاته كما لو أنه كائن وهمي دون أن يعرف من يكون هو حين ترك الموت وراءه، فهو بذاته المجهولة التي لم ير شبيها لها في هذا المكان. أحس أنه هو ذاته الحقيقية العظيمة التي تحيا الآن كما لو أنها في الخلود دون أن يعرف أنه كائن في هذا الوجود الخفي.

حينئذ ظهر له تجسيد مركبة ذهبية في الفضاء تشع أنوارا كأنها مركبة الملاك (هيبل زويا) المخلص، رسول النور والحياة، كابح الشر والظلام، مجدد السلالة الحية على الأرض. كان يقود المركبة جسم أثيري لا يمكن رؤيته أشبه أن يكون آدميا، فصار مندا مذهولا مندهشا متعجبا سيما وقد انتقلت أشعتها إلى الأرض الخضراء التي ما لبثت أن تحولت إلى بقعة نورانية، ثم بان منها أشجار بثمار تشبه تلك في عالم الأنوار، ثم ظهرت طيور بيضاء مرفرفة مترنمة راحت تملئ المكان غناء كأنها تتكلم، ثم بعد لحظات بان نهر عظيم جاري حي ممتلئ بالأسماك الفضية التي راحت تفتح أفواهها كما لو أنها تتناغم مع الطيور وتكلمها. أجل، قد يكون هذا النهر سماوي “فرات زيوه” أي الفرات النوراني في عالم الأنوار (يردنا) الذي يغذي أنهار الأرض بالمياه، لتتغذى بالحياة كما في نهر الفرات الدنيوي. ثم فيما بعد، اقتربت منه المركبة هابطة كادت تمس الأرض، ونزل منها الجسم الأثيري الذي تحيطه هالة بيضاء بينما راح مندا يتمعن به، فإذا به يرى ثيابه التي كان يرتديها، تلك التي تسمى (الرستة) والتي تتكون من عمامة بيضاء وقميص فضفاض طويل فوق سروال وملفوفا من ناحية الخصر بزنار أبيض، وهو يسند إلى ثنية الذراع الأيسر صولجان الخصب. لاحظ  مندا أن يد الملاك تمتد إلى أمام حاملة ثياب (الرستة)، فاستلمها دون أن يحس بأصابع اليد التي سلمته الثياب. ارتدى مندا الثياب بعجلة.

هكذا ستر جسده بالثياب البيضاء، لتتألق حواسه كلها في تكوين جديد، وحياة جديدة في عالم نوراني سماوي، ليمشي في طريق صحيح ثانية، ويحمل براءته ونقاءه مهتديا بالصدق دون خطايا، ويخلع آثار الموت في الحياة الزائلة. أجل اكتسى مندا بالثياب البيضاء، وانتقل مرة أخرى إلى نقاء النفس كي ينتمي من جديد إلى العائلة المندائية ـ الصابئية الروحانية.

 كاد يفقد توازنه ويسقط على الأرض إلا أنه جاهد مع نفسه أن يكون في رباطة جأش بالرغم من ارتباكه، عندئذ استدار الجسم الأثيري، ومشى ببطء، فتبعه مندا صامتا دون أن ينطق  بأية كلمة، وقلبه يرتجف. وعلى حين غرة توقف الملاك عند ضفة النهر إلا أن مندا راح يتأمل راية (الدرفش) الصغيرة اللامعة ببياضها النقي، وبدلالة الحي العظيم، وطهارة وصفاء الإيمان الصابئ ـ المندائي. راية (درفش) تحمل أسرار الضوء والنور والحياة. كانت الراية (الدرفش) منتصبة في التربة على ضفة النهر تتكون من قطعة قماش حرير أبيض معلق على قضيبين جافين من شجرة الزيتون على شكل علامة + كإشارة إلى الجهات الأربعة، حيث كان القضيب الأولى شاقولي مغروسا في التربة، وأطول من القضيب الثاني الأفقي. هذا، وقد ربطا القضيبين من خلال ثقبين بخيط سميك من الحرير، وكانت قطعة القماش مشرشبة بأهداب من أسفل من الجهة اليمنى للراية بينما كان طرفها الأيسر أعلى من طرفها الأيمن. هذا، وقد لاحظ مندا أن هناك قطعة من الذهب البراق مثبتة في منطقة التقاطع بين القضيبين لكن ما أثاره وجعله مستغرقا في تأمله تلك الأغصان السبعة من الآس الطري التي تلتف حول منطقة التقاطع بين القضيبين التي تبعث رائحة عطرة لأنها كانت تذكره بشيء ما  كما كانت الراية تذكره أيضا بأشياء أخرى لكنه لم يستطع أن يتذكر بالضبط. كان الجسم الأثيري صامتا، وقد أعطى مندا فرصة للتأمل ومحاولة التذكر إلا أنه لم يتذكر بينما مندا راح يتواصل في تأمله للراية (الدرفش) ساكنا في هدوء خالد التي رآها أشبه بنجم سماوي مضيء استقر في الأرض، وكان يهيم في أسرارها. تلك كانت أجمل لحظة مشرقة يراها بعد عودته إلى الحياة.

هذا، وكان الجسم الأثيري صبورا حيث تركه في دهشته وتعجبه. فجأة تحول الجسم الأثيري إلى ملاك واضح تحيطه هالة نورانية دائرية بيضاء، وقد أحس مندا أن هناك شعاعا ينفذ إلى جسمه مما جعله ينظر إلى هذه المفاجئة التي سحرته، فراح ينظر إلى هذا الملاك الذي لم ير منه سوى عينيه حيث كانت قطعة قماش تغطي أنفه وفمه بينما عينيه صارتا تشعان نورا، فظل مندا ساكنا في مكانه دون أن يتحرك أو ينطق بكلمة، وهو ينظر إليه نظرة المندهش المتعجب، وقد نفذ إلى قلبه الخالي من الذنوب شعاع شفاف مريح كأنه يداعب شغاف القلب.

ثم لاحظ انبثاق نار هادئة من طبق دائري في الأرض، وكذلك ظهرت مبخرة راحت تعطر الفضاء. هذا وكانت هناك أجساد أثيرية برزت بأردية بيضاء وقفت مصطفة بوقار خلف الملاك. كل هذا جعل مندا يتسمر في مكانه غارقا في التأمل الذي نزع منه الخوف والرهبة، ليكون في حلة نورانية جديدة في أرض الأثيريين. تيقن أنه سوف يحصل على مفتاح المعرفة من مسكن الأنوار، وسوف لن يكون هو كما كان بل سيكون نورا في عتمة الظلام، ولم يشك في ذلك لأن من لم يبصر النور يعلو سيبقى تائها في متاهات العمى، فراح يحس أن ديمومة مباركة تسكب في قلبه غير أنه شعر بقلق من نفسه أن يلبسه الأثيريون حلة النور هذه التي تحمل أسرار صلته بعالم النور. حينئذ راح يردد مع نفسه:

ـ مصبتا (تعميد).

إذ هي وحدها تخلصه من خطاياه إذا كان يحملها في قلبه دون أن يعرف بذلك. أنه يغسلها الآن، ويتخلص من ذنوبه وخطاياه والنجاسة لكن لا يتم ذلك إلا في المصبتا، وهي تطهر الجسد والروح في هذا الوجود البهي. لم تمض لحظات حين نطق الملاك بصوت عذب باسم مندا الديني:

ـ  يا برام إنهوريتا، اصطبغ بالمياه الجارية الحية. هذه بركة الحي العظيم!

هذا جعل مندا ينسى نفسه حتى ارتعش قلبه خجلا لهذا الصوت الوقور، ثم لاذ بالصمت لأنه لم يقدر أن ينطق بكلمة، فوقف حائرا مندهشا، وقد تذكر اسمه الديني. نعم، كان هذا اسمه الديني بلا شك مما جعله ينزح بذاكرته إلى اسمه المنطوق الآن. هو اسمه في ذلك الزمان الذي لقب به، وارتبط به بألفة. الآن استعاده في لحظة قيمة أبهرت عينيه، واختزلت دهرا، وأججت سعادة في قلبه، وفي نفس الوقت هز رأسه مغتبطا بالسكينة، موافقا باختياره أن يصطبغ بالمياه الجارية، وقد انتابه فرح عظيم، فتقدم مندا دون أن ينتظر. فجأة توقف حين أحس بيد أثيرية امتدت لخنصر يده اليمنى، وألبسته خاتما من الآس يفوح عطرا متكونا من غصنين ملفوفين بطريقة مدهشة. بعد لحظة خطا ببطء وهدوء خطوات متأنية خفيفة إلى الراية البيضاء. انحنى، ومسك سارية الراية (الدرفش) من أسفل وهو في غاية الفرح والاطمئنان، ثم انتصب واقفا متأملا الراية، وعيناه تترقرقان بمباركته لنفسه في برهة قدسية. عندئذ شعر باليد اليمنى للملاك قد امتدت، ومسكت يده اليمنى، فحس مندا بملمس هذه اليد النورانية التي جعلته يستنير بوجوده. ذلك جعله يكتشف بأن هذه المفاجئة العجيبة يقينية وهو جزء موجود فيها  ثم رفع الملاك يده ليمسك بها قمة سارية الراية (الدرفش) وصارت يد الملاك فوق يده. تلك كانت بركة تمثل الذات وشاهدة التعميد لمندا كمتعمد مخلص، وكي يرتفع بتعميده إلى العلا محروسا باسم الحي العظيم في ملكوته المجيد الأزلي الذي لا يفنى، وفي نفس الوقت كان مندا يستمع إلى دعاء، ويردده بخفوت.

ثم فيما بعد تقدم الملاك إلى النهر (يردنا) وتوقف باتجاه الشمال حيث مسكن الحي العظيم، ومصدر النور والمعرفة. كان الملاك ينتظر دخول مندا غير أن مندا تبعه مثل طفل برئ، ثم توقف عند حافة النهر، وهو يتأمل جريان المياه التي كانت عظيمة بأسرارها، وكانت أكثر هدوءا. بعد برهة قصيرة استأذن مندا الدخول إلى النهر بصلاة، إذ كانت مياه الحياة، وكانت مياه الخلق، ومياه الخصوبة.

استجمع مندا قوته وتحرك ببطء، وقد لاحت في نظراته البراءة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة منيرة، وهو يتقدم، ويدخل المياه الجارية من الجهة اليسرى للملاك إلى الجهة اليمنى في حركة شبه دورانية، ويستقر جالسا في الجهة اليمنى للملاك كما لو أن ذلك انتقال من عالم الظلام إلى عالم النور أو من عالم الشر إلى عالم الخير أو من عالم سفلي إلى عالم علوي، وفي نفس الوقت كان ذلك قد يكون تحول من الخطايا المقصودة أو غير المقصودة إلى الصلاح، وكذلك يتمثل ذلك في تثبيت حياة جديدة من حياة قديمة. هكذا صار مندا تحت رحمة يد الملاك وصولجانه ثم غطس (طماشا) في المياه ثلاث مرات مع قطع النفس كي يدحر، ويدثر ذاته القديمة، ويتجدد في ذات جديدة في سائل رحم الحياة ثم موت الخطيئة في ذاته إن كانت موجودة لأن الغطس والظهور لم يكن إلا ظهوره هو بنفس طاهرة، وانبثاقه هو في ظهور آخر نقي تقي، صافي بريء. حينئذ راح الملاك يرشم جبهة مندا بكفيه بالماء ثلاث مرات ويرتل دعاء بصوت خافت بينما كان مندا جالسا في سكون كأنه تحت رعاية وحنان الملاك كأب منقذ من الشرور، وفي ذات اللحظة راح الملاك يغرف بكفه اليمنى جرعة ماء، ويسقيه ثلاث مرات، ليثبت قوة إيمانه في الروح والنفس والجسد، ويبعده من الغرق في الخطايا. هذا، وقد سحب الملاك خاتم الآس من خنصر يده الأيمن الغاطسة في المياه، وتوج رأسه به، إذ وضعه تحت عمامته، ليكون أكليل نور بعطره الطيب. لم تمض لحظة حين سحب الملاك الأكليل من رأسه، ورماه في الماء، ليسير مع جريان المياه، وإذا بالملاك يضع يده على رأس مندا، معلنا بركته، ودخول مندا من جديد إلى عالم النور الصابئي ـ المندائي، خاصة وإن مندا أعطى العهد لذلك. آنذاك مد الملاك يده اليمنى، وسحب مندا من المياه كأنه المخلص من الغرق، وكأنه خرج من رحم الماء الحي المقدس الطاهر.

هكذا توج مندا بالتعميد واكتماله حيث تثبت به، وتثبت على معرفة الحي العظيم، وتزكت نفسه باليمان، وتبارك اسمه بالضياء ومياه الحياة، وليخرج إلى عالم آخر بقلب صاف ناصع لا خطايا فيه كي يسير في الطريق الصحيح. أجل، تلك كانت ولادة جديدة، وما خروجه إلا أن يكون ابن النور، ابن المعرفة الحية للخالق الأزلي، والتوحيد به، والخضوع له وتبجيله.

خرج مندا من الجانب الأيمن للملاك بعد أن قبل يده بامتنان، فاستقبله أحد الأثيريين، وذلك كان خروجا من نهر الحياة (اليردنا) إلى اليابسة، ليخوض تجربته الدنيوية المرتقبة، فدار حول المبخرة (الطريانة)، وشم رائحة البخور التي كان يتصاعد دخانها إلى أعلى، فاقترب منه الأثيري ورشم جبهته بزيت السمسم لتأكيد الولادة الجديدة بزيت الضياء والنور الذي سيبارك باسم الحي الأزلي، ويكون رحيما به، ثم أطعمه لقمة من الطعام المقدس (بهثا) وسقاه جرعة من الماء المقدس (ممبوها) ذلك كان نعمة وحق له في الحياة مثل الجنين في رحم أمه يحتاج إلى الغذاء، وكأي إنسان يمتلك الحاجة على الأرض إلى غذاء وشراب   في اكتمال ولادته الجديدة.

فجأة تعالت أصوات الأثيريين كقوة خير منتصرة على الشر وكقوة نور منتصرة على الظلام في هذه ولادة بينما كان مندا يحس أن جسمه كله يذوب وينساب مثل سائل متدفق في الهدوء والسكينة بسرعة فائقة، ليحيا في حياة أخرى، وأحس كذلك أن روحه شعت عذوبة لأنه أصبح هو الآخر المتجددة في كينونة وحدانية قد بدأت وجودها الإنساني في اختيار العقل الواعي في إدراك المحسوسات وما وراءها في وحدة الجسد والروح والنفس مما سوف يقوده لاقتحام الواقع الدنيوي من تلقاء ذاته في ظهوره الكامل للوجود. مكث برهة أشبه بحالم محلق في صور مختلفة ترادفت في ذهنه في إثارة خيال. ذلك   جعله يغمض عينيه من الفرح ثم فتحهما على وسعيهما، وإذا به يجد نفسه وحيدا مذهولا، إذ اختفى كل شيء عن عينيه  باستثناء الراية البيضاء (الدرفش) التي كانت منتصبة في مكانها، فلم يعد يرى النهر الجاري (اليردنا) ولم يعد يرى الأثيريين، ولا المبخرة (الطريانة) ولا النار، ولا الأرض الخضراء التي كانت بالنسبة له أرض العهد حيث كل شيء مر بسرعة مثل رمشة عين كما لو أنه في حلم أو رؤيا أو تخيل أو أنه استيقظ توا من عبور زمني خفي. هذا الاختفاء لا يمكن أن يخضع لتصوره لأنه سر لا يمكن أن يدركه هو، فها هو متروك لوحده ليتدبر أمره. تلك كانت لحظة تأملية طويلة لا حد لها من الانغماس في دهشته، ولا نهاية لها من القلق بالرغم من أن الأشياء بدت سريعة متجاوزة تصوره. تيقن أن هناك لحظات كثيرة سوف تنتظره قد لا تكون أخيرة، وقد تكون بعيدة كل البعد عنه الآن، فراح يردد بصمت مع نفسه:

ـ ما الذي ينتظرني الآن؟

هناك شيء ينتظره، ثم ماذا سوف ينتظره؟! أدرك أن ما ينتظره هو الوجود الدنيوي في عالم فاني،

فتقدم إلى الراية البيضاء (الدرفش) بخطوات واثقة، ووقف يتطلع إليها برهبة حيث أحس أن لها خطابا متجليا متناغما في روحه لأنه أينما نظر إليها كانت هي تنظر إليه بعون نورانية ساحرة، تهديه إلى أثر متزامن مع حاضره، واعتقد أنها تدعوه لصياغة ذاته الكاملة في تغير وتعاقب الأزمنة. عندئذ اعتبر كل شيء على ما يرام، وهو يستمع إلى ترنيمته قد انبعثت من أعماقه:

ـ الآن، أنت ابن هذا الزمان.

هذا ما راوده في ذهنه ، وحين رفع الراية البيضاء (الدرفش) أحس أن هناك شيئا مميزا فريدا ينتظره ولا سبيل له أن يتفاداه أو يتحاشاه لأن هذا صار اختيار ملزم وقع عليه، فستكون الأرض مسكنه، ووجوده الذي يحيا فيها مهما كان ذلك مبهما أو مربكا، فخاطب نفسه:

ـ ههنا أحيا في أسرار هذا الكون.

  فها هو وجد نفسه في أرض غريبة منعزلة، نادرة وغامضة. سار فوقها مثل طريد، إذ لا شجرا نظيرا فيها، لا طائرا يطير. أرض لا يطيب العيش فيها، ولا نفعا معها، فسار حاملا الراية البيضاء (الدرفش) مسترقيا الخصوبة والخضرة، وسجع طيور،ومصادر مياه، فظل يتخبط على غير هدى في طريقه باحثا عن ملاذ، وقد أصابه الاضطراب، وهو يطوف فوق الأرض دون مرشد، ويردد مع نفسه في صمت حزين:

ـ الآن، ماذا سأفعل؟

هكذا أيقن أن لغز هذا الوجود  قد حكم عليه بأن يخوضه لوحده، فهذا اليوم لا يشبه سابقه، وإن عودة سابقه ضرب من الوهم، فلا شيء يعود مما كان، فليس ثمة شيء يعود مما قد مضى، فهو الآن يسير رافعا الراية البيضاء (الدرفش) في عصر يختلف عن سابقه. أنه اكتشف نفسه في زمان آخر، وأرض أخرى. أنه سلم نفسه لهذا العصر، وها هو بدأ رحلته دون أن يرى أحدا، دون أن يدري إلى أين، وهو لم يعرف إن سار يمينا أم يسارا، شمالا أم جنوبا. ذلك جعله يشك في وجوده، وقد حسب نفسه كائن لغز، لذلك صرخ كي يعرف صوته. أدرك أن صوته أصبح غليظا لكن أنه هو صوته، وهو جزء منه مثلما ذهنه جزء منه. حينئذ حاكى نفسه:

ـ كيف سأكون فوق هذه الأرض؟

أدرك أن هذا هو اختيار وقع عليه، وليس شيئا آخر، هو أن يرفع الراية البيضاء (الدرفش) ويسير لأن لا اختيار من لا شيء. إذن انه كائن حقيقي واقعي مخلوق خرج من مستوى أعلى إلى مستوى آخر يحمل في ذاته كينونته الجديدة.

وعلى حين غرة أراد أن يتذكر ليس الأرض الخضراء التي خرج منها. أنه أراد أن  يتذكر شيئا آخر. أنه أراد أن يتذكر ماضيه قبل موته. لم يستطع أن يتذكر إلا موته. أنه تذكر الآن. ذات يوم، وقبل أن يبلغ الجبل الأبيض (باروان) باحثا عن السوسنة البيضاء مات هناك. حينئذ أدرك معنى الموت الذي لا مفر منه، وقد وضع حدا نهائيا لحياته الدنيوية، لم يستطع أن ينجو منه أو يتخطاه أو يتفاديه، فكان الموت ظلا تلبس بوجوده، ورافقه في حياته. الآن تذكر لحظات عبوره إلى الموت . هذا ما بقي متعلقا في ذاكرته لأنه لم يتذكر كل شيء عن ماضيه. أنه تذكر تلك الليلة عندما أصبح متعبا جدا بعد سنوات البحث عن السوسنة البيضاء بلا أمل، فقد غدت خطواته تتعثر، ولم يستطع المضي قدما لأنه كان متعبا خائر القوى. حينئذ قادته خطاه إلى شجرة سدرة سامقة تتدلى منها أغصان من كثرة ثمارها من النبق الذهبي. هذا وقد لاحظ أن هناك ظل للشجرة، فرفع رأسه إلى السماء، وإذا به يرى هذا التألق للقمر بنوره الذي يتوسط السماء في سناه، وقد تدلى ضوءه فوق شجرة السدرة، وأحاطت به النجوم الساطعة. استلقى في ظل الشجرة، ومال رأسه على جذعها، ثم أمعن النظر في ظل الشجرة الذي تراءى له أنه يتحرك، ويمتد بامتداد بصره، ثم يقبض ويرجع، ثم يثبت في مكانه كصورة للشجرة، فأدرك أن نور القمر قد أناب عنه هذا الظل ساكنا فوق الأرض، فأخذ يردد مع نفسه:

ـ هذا ظل نور القمر على الأرض.

هذا الظل جعله يغفو وينام لكن طيف خيال لطيف ورقيق كان يظهر قوة خفاياه، فكان يرى السوسنة البيضاء منورة بنور القمر دون ظلال، تتقدم نحوه بزينتها الرائعة، وجمالها العظيم الذي يشع أنوارا من وجهها كأنها  بقدميها تمس الأرض مسا، ثم ضمته بين ذراعيها، ووضعت وجهها على كتفه الذي ما لبث أن رفعه برقة بأطراف أصابع يده، وحدق فيه مبحرا في أنوثته الجذاب المغري، فالتقت عيونهما بألفة عذبة انبثقت من قلبين متحابين في نقاء وصفاء مما أججت لحظة غارقة في الحلم، فقبلها بشفافية. هذا جعلها تذوب في نشوة عارمة كما هو كان جامحا في إشراقة هذا الحب العظيم الخالد، فقد تحول كل شيء إلى إثارة نفس كظل روحي يستظلان فيه. ظل صادق حميم تذهب الغمائم عن وجه السماء أينما ظهرت، وتذهب الحزن عن وجه الأرض أينما كانت مما حدا ذلك أن تذوب السوسنة البيضاء في عناق يحتوي خصوصيتها، فتتعلق ذراعها اليمنى حول عنقه بينما تمتد يد مندا اليمنى لتمسك يدها اليسرى، ثم فجأة ذهب ضوؤها، وذهب طيف الخيال، وذهب ضوء قمر القلب. ذلك كان في ليلة غريبة حين فتح مندا عينيه، وصحا من نومه القصير، فلم يجد السوسنة البيضاء، بل وجد ظلاما كالحا يلفه، فأدرك أن ما رآه لم يكن إلا طيف خيال في منامه، فانتصب واقفا وهو يحملق في الظلام  الذي هاجمه وحاصره، فأضاعت النجوم صفائها، والقمر بهائه، إذ أصبح منظر السماء رهيبا يثير الفزع والرعب، فالقمر أصبح أصفر اللون لا نور فيه، والنجوم صفراء قد فقدت بريقها، فكان الظلام سيد الكون، وهو يقف حائرا مضطربا، وقد استبد به الرعب والخوف كأن كل شيء ينبأ بالفناء. استمر هذا كله خلال لحظات سريعة وقد غلبه الظلام حتى تماثل له الوحش الهائل أور ابن (الروهة) سيدة عالم الظلام التي تعيش على سطح الماء الأسود ثم لم تمر برهة من اللحظات، وإذا به يسمع صوتا اهتزت له الأرض أشبه بانفجار هائل:

ـ أنك تموت.

ارتعب، وقد أدرك أنه يموت، وحياته لم تكن إلا ظلال الموت، ولا يستطيع أن يقف حائلا دونه منذ ولادته، ظل مرتبط به، ومندمج به، ولم ينفصل عن كينوته، إذ رأى موته في هذه الليلة التي لم ير مثلها على الإطلاق. ليلة ليس لها مثيل، فكانت لها سلطة مطلقة خفية، لم يعرف من كان وراءها. ليلة استبدلت وجوده بين الحياة والموت، وغيرت ذاته، ليرحل إلى المطهر كأن ظله استنفذه، ولم يعد بحاجة إليه، فسكب نفسه في الموت، إذ لم يعد يستطيع أن يتمسك بالحياة في أرض الأحياء.

 فجأة شعر بيدين قويتين تخنقاه، ثم رمته على الأرض، ثم جثمت على صدره قوة خارقة، فأظلمت الدنيا في عينيه، وراح يتلعثم بكلمات متكسرة، خرجت بصعوبة منه:

ـ أحضر لي السوسنة البيضاء!

أنه تذكر الآن تلك الكلمات الأخيرة التي نطق بها حين مات، وتذكر أن يدي قاتله رمته في ريح قوية التي رفعته بقسوة من الأرض. هذه الأرض التي كان يختبأ فيها لم تعد تطيقه، ولم تعد تكترث به كأنها أرادت أن يسحق تحت وطأة الألم دون أن يقترف فيها أي ذنب بل أحبها، وأحب الحياة عليها. نعم، حملته الريح بعيدا في رحلة إلى المجهول لم يرها أحد في ذلك الزمان. ها هنا قد عرف وجه الموت، وعرف أن العالم قد شاخ في ظلامه، وأنه خائبا بائسا في الموت، ولم يعد له أمل في شيء سوى السوسنة البيضاء التي راح يكرر:

ـ أين أنت أيتها السوسنة البيضاء!

أجل، أنه ركب وجه الموت دون أن يسيطر عليه، ودون أن يقدر أن يتجاوز العزاء من ظلال ذاته التي صارت غير مرئية كأنها مرت مثل لمح البرق، وتوقفت مثلما يتوقف سقوط المطر. هذا هو عزائه الكبير أن يكون هو بين السماء والأرض في وجه الموت حيث هو مات وحده، بمفرده دون أن يشاركه في ذلك أحد بينما السماء لن تموت كما الأرض هي نفسها لن تموت أيضا. هكذا رأى مندا غرابة وغموض الموت الذي حدث في الظلام. هو رأى الموت الذي وقفت وراءه قوة خفية في المجهول. تلك كانت رحلته إلى الموت.

الآن تذكر أنه وجد نفسه في أرض قفر خائبة بائسة لا ينمو فيها جذر، متروكة في معاناتها، منبوذة في عزلتها وذلها.، فالموت انتزع وجوده الأصيل، وأنتزعه من زمانه، ليجد نفسه اليوم بعد عودته من الموت في وجود جديد وزمان آخر. هذا كل ما يتذكره عن ماضيه الآن، فذاكرته كانت ترى تلك الليلة فقط. هكذا تجلى أمام ناظره الموت، وليس شيئا آخرا. كان ذلك مدخلا غامضا مربكا لوجوده الجديد خاصة وقد عرف معنى الموت، وعرف أن معنى الإنسان ظلال التي ما تلبث أن تنتهي سواء طالت أم قصرت.

 

التدوينة العودة إلى الحياة | حمودي عبد المحسن – السويد ظهرت أولاً على الموجة الثقافية.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.