العشق الممنوع.. محاولة لفهم مغزى الاندفاعة الأمريكية الأخيرة نحو كوريا الشمالية ج(2)

0


 في الجزء الأول من هذا المقال، ركزنا على الانقلاب الذي طرأ على مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقاتها مع كوريا الشمالية، وكيف أن انفتاح أمريكا ترامب المفاجئ على كوريا كيم يونج أون أثار دهشة العالم وذهوله. وفي حين أن ترامب اعتبر أن قمة سنغافورة وما حدث فيها، نصر كامل للولايات المتحدة، نجد أنه على العكس من ذلك فإن أعضاء من الكونجرس الأمريكي وكبار كتاب الأعمدة والمقالات في كبريات الصحف والمجلات الأمريكية يهاجمون ما حدث في تلك القمة، ويعتبرون أن كيم يونج أون قد استغفل دونالد ترامب ولم يعطه شيئًا ذا قيمة فيها.

 وقد حاولنا أن نفهم سر غضب نخبة واشنطن على قمة سنغافورة، وهو أن سياسة واشنطن الجديدة تجاه بيونج يانح تعني أنه هدف الولايات المتحدة لم يعد إزالة نظام والإطاحة بدولة كوريا الشمالية، بل تغير وتحول إلى الاحتواء وإقامة علاقات معها، وهو ما أثار غضب تلك النخبة التي لا تؤمن سوى بمواجهة بيونج يانج وسحقها! وكان التقدير أن ترامب ليس بالرئيس الغبي أو المعتوه كما تحاول نخب ومراكز قوى كثيرة في أمريكا تصويره، بل إنه يمثل جناحًا صاعدًا، يكسب كل يوم أرضًا جديدة، يرى أنه لا أولوية فوق أولوية الاقتصاد والمال في سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

من أجل فهم أفضل لسياسات ترامب، علينا أن نضع أنفسنا مكانه، عندما وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ورث أكبر عبء للديون على مرّ التاريخ، كما ورث ميزانية عسكرية تمثل حوالي 50 في المئة من إجمالي الضرائب التي تمثل 1.5 تريليون دولار أمريكي. بعدها أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه بحاجة إلى خفض ميزانيته العسكرية للتغلب على الديون الأمريكية، فقام بإلقاء نظرة على لوحة الشطرنج الجيوسياسية في أمريكا ووجد أن ميزانية وجود القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية كبيرة. وخلال أزمة المناورات الصواريخ والتفجيرات النووية الأخيرة في شبه الجزيرة الأمريكية، وجد ترامب أنه ليس هناك أي حماسة من حلفائه، كوريا الجنوبية واليابان، لرفع ميزانيات التسليح ومخصصات الدفاع إلى المدى المطلوب، وهنا أدرك أن الولايات المتحدة مقبلة على مواجهة جديدة تستزف اقتصادها المرهق من الأصل كما أوضحنا في الجزء الأول من المقال، وذلك كان من أهم الدوافع للتغير الحاد في المقاربة الأمريكية للأزمة الكورية. تغير شمل تغيير أوليات المواجهة وأساليبها والتهدئة في شبه الجزيرة الكورية، من أجل التفرغ لمن تراهم أمريكا ترامب الأعداء الأولى بالمواجهة في هذه اللحظة، الصين وإيران كما ذكرنا في نهاية المقال السابق، وكما سنكمل الرؤية وبناء التحليل في هذا الجزء من المقال.

الهدف هو الصين

إننا نرى جميعًا أن أمريكا بدأت حربها التجارية مع الصين. البيت الأبيض، بالمعنى الحرفي، مستعد لاستهداف الصينيين لأي سبب ومن دون أي سبب. وتسبب قواعد الصين العسكرية في جزر بحر الصين الجنوبي سعارًا خاصًا لدى واشنطن. حتى الكونجرس بدأ يتدخل ويخترع أسبابًا لفرض عقوبات على الشركات الصينية العاملة على أرض الولايات المتحدة. إننا في مقال منفصل قادم سنتوسع في مسألة الحرب الباردة التي بدأتها أمريكا على الصين، ولكن حتى لا نتوه ونبتعد عن الهدف الأصلي لمقالنا هذا، ما علاقة ما سبق بشبه الانقلاب الاستراتيجي في مقاربة أمريكا لمسألة كوريا الشمالية؟!

Image result for ‫المواجهة الصينية الامريكية‬‎

  تقديري أن أحد المفاتيح الرئيسية لفهم هذا الانقلاب، هو أن أمريكا ترامب تريد سحب ورقة كوريا الشمالية من يد الصين. من المعروف أنه في إطار سياسة الحصار والعزل المستمر الذي تتبعه أمريكا ضد كوريا الشمالية، لم يعد لهذا البلد رئة يتنفس منها ومنفذ سوى الصين، في نفس الوقت فإنه من المعروف أيضًا أن الصين تستخدم ورقة كوريا الشمالية في مواجهة أمريكا، بل إن هناك تقارير تفصح عن أنه قد صارح الصينيون جورج بوش الابن في الماضي بأن أيامًا أو أسابيع تكفيهم لإسقاط النظام في بيونج يانج. لقد قالوا ذلك لبوش في إطار عرض قدموه إليه يتضمن خروج القوات الأمريكية من شبه الجزيرة الكورية لقاء موافقة الصين على إسقاط النظام في كوريا الشمالية وتوحيد الكوريتين، لكن رفض الأمريكيون العرض الصيني. وهكذا فإنه في سبيل سحب ورقة كوريا الشمالية من الصين، كانت تلك الوثبة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية، وثبة هي في جوهرها تحول أمريكي من سياسة الحصار والتجويع والمواجهة والإزالة لكوريا الشمالية، إلى سياسة الاحتواء والتغيير الهادئ الناعم للتوجهات عن طريق إغراءات اقتصادية وإنهاء عزلة نظامها.

إن هذا التحول الأمريكي، فيما أرى، يحمل في أحشائه تدفق استثمارات أمريكا لكوريا الشمالية تنعش اقتصادها وتمنحه قبلة حياة، استثمارات لا تأتي من أمريكا مباشرة، بل يتم نقلها من الصين المغضوب عليها إلى كوريا الشمالية، وبذلك يتم تحقيق الهدفين، وهو سحب استثمارات أمريكية من الصين بدون إغضاب رأس المال الأمريكي الذي سيجد في كوريا الديمقراطية نفس الأيدي العاملة الرخيصة والعمالة المنضبطة الماهرة. بل إن الخطة في المدى الأبعد ربما تحمل توحيد شطري الجزيرة الكورية تحت النفوذ الأمريكي، وخلق كيان منافس آخر للصين على حدودها مباشرة.

  هكذا يمكن فهم السياسة الأمريكية الجديدة تجاه كوريا الشمالية في ظل تصاعد مواجهتها مع الصين. وهذا أولا.

إيران أيضًا.. وربما قبل الصين

أما ثانيًا، فيظهر أن غرض أمريكا ترامب أيضًا من تغير السياسة تجاه كوريا الشمالية، هو التفرغ لمواجهة إيران في الشرق الأوسط. أحد دوافع ترامب لعقد اتفاق مع كيم هو تجميد الجبهة مع كوريا الشمالية من أجل التفرع لاحتواء إيران، فنحن على قناعة أن أحد دوافع مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، لدعم الاتفاق، هو تحييد كوريا المؤقت فيما يتعدى المسألة النووية، من أجل التفرغ لمواجهة طهران. هناك فرق كبير على المستوى الدولي بين الأزمتين الكورية والإيرانية، فكوريا الشمالية لا تطرح مشكلة كبيرة لأحد باستثناء كوريا الجنوبية واليابان والأمريكيين. إذا ما تمعنا عن قرب بالملف الكوري، فسنجد الأوروبيين لا مبالين، لأنه لن يكون له أي تأثير استراتيجي عليهم. أما الملف الإيراني، فمركزي لأنه يعني الأوروبيين والروس والأمريكيين والصينيين وبلدان الخليج وإسرائيل.

Image result for ‫المواجهة الإيرانية الامريكية‬‎

على المستوى الدبلوماسي يملك الملف الإيراني قدرة على التأثير عالميًا أكثر بكثير من الملف الكوري. لا أحد يمكن أن يتخيل أن تهاجم كوريا الشمالية أوروبا بالسلاح النووي مثلًا. أما الملف الإيراني، فيملي هوسًا جنونيًا فيدفع إلى تصور أسوأ السيناريوات لدى إدارة ترامب والسعوديين وإسرائيل. إن إيران اليوم هي الهدف المفضل لـ«محور الشر» الجديد الذي يضم تحالفًا عالميًا من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وفرنسا. بالنسبة إلى الولايات المتحدة من غير الممكن معالجة هذا الملف والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية، بل ينبغي زعزعة استقرار إيران، لذلك هناك قناعة تشترط تحرير الأيدي الأمريكية من الأزمة الكورية للتفرغ كليًا لمواجهة طهران.

أما الصين، فدعمت العقوبات ضد إيران عندما كانت محدودة، وحاولت على الدوام التخفيف منها لتشجيع الإيرانيين على تقديم مبادرات وتنازلات. وأفترض أن الإيرانيين يحدثون أنفسهم أنهم وقعوا اتفاقًا لا فائدة منه، وأن الاتفاقات الدولية لا قيمة لها لأنه من الممكن لطرف دون غيره أن يلغيها بضربة واحدة، وأن الموقعين الآخرين عليها من الأسرة الدولية، أي الأوروبيين، لا يملكون الشجاعة للتصدي بحزم وعلنًا للولايات المتحدة، والسؤال الآن هو ما الفائدة من إطار متعدد الأطراف، بينما يبين الواقع أن المفاوضات هي بين الولايات المتحدة وإيران، وأنه لا فائدة من الأوروبيين، بل ما الفائدة من التفاوض وتوقيع الاتفاقات؟

خاتمة

  هكذا فإن جدول أوليات أمريكا ترامب في المرحلة المقبلة يفرض التهدئة والاحتواء والتمكين من كوريا الشمالية، في مقابل الضغط والمواجهة المباشرة مع الصين التي تترافق مع المواجهة الشرسة والعنيفة مع إيران.

  الظاهر هنا أن الصين يبدو أنها منتبهة بشدة لهدف الاحتواء الأمريكي لكوريا الشمالية، فبدأت تمد حبال الود والوصال مع الشماليين وتوصل ما انقطع في الأزمة الأخيرة. فقد التقى كيم جونج أون الرئيس الصيني شي جين بينج، في بكين يوم 19 يونيو (حزيران) الماضي، وكان هذا هو الاجتماع هو الثالث من نوعه بين الرئيسين خلال ثلاثة أشهر فقط، وعقب القمة التاريخية التي جمعت كيم مع دونالد ترامب في سنغافورة قبل أسبوع من ذلك اللقاء.

وعلى رغم أن تفاصيل الزيارة لا تزال شحيحة حول هذه الزيارة، إلا أن توقيت الرحلة يبعث رسالة واضحة حول عدم تفريط بكين في بيونج يانج، وتركها تقع في يد واشنطن. وهذا واضح فيما نقله تقرير للتلفزيون الصيني عن شي قوله: «أيًا كانت التغييرات في الوضع الدولي أو الإقليمي فإن موقف الحزب والحكومة الصينية الحاسم في شأن الالتزام بتعزيز العلاقات وتطويرها بين الصين وكوريا الشمالية لن يتغير». وتابع أن «صداقة الشعب الصيني وشعب كوريا الشمالية لن تتغير، ودعم الصين لكوريا الشمالية الاشتراكية لن يتغير». لكن السؤال هنا هل تقبل أن تظل كوريا الشمالية مرهونة في علاقتها مع العالم بالصين فقط؟ يجب أن لا ننسى أنه في الأزمة الأخيرة، لم تكتف الصين بالصمت على العقوبات الأمريكية الدامية، ولا أقول القاسية فقط، على كوريا الشمالية بل وافقت على وصوتت في مجلس الأمن لصالح فرض تلك العقوبات، وهو ما سبب جرحًا عميقًا للشماليين، ووصل الأمر إلى درجة من التراشق اللفظي بين بيونج يانج وبكين. الأمر الذي يعني أنه هناك احتمالات متصاعدة أن بيونج يانج ربما ترى أن يجب أن تفتح مروحة علاقاتها ولا تترك يد الأمريكيين الممدودة لها معلقة في الهواء، فذلك يمكن أن يصبح ضمانة لحرية الحركة وكسر أسوار العقوبات العالية والانطلاق الاقتصادي، وهي أمور كلها لا توفرها العلاقة الأحادية مع الصين.

Image result for ‫زيارة كيم الأخيرة للصين‬‎

  فماذا يحمل المستقبل؟ هل تكتمل خطط ترامب وجناحه أم تجهضها الأجنحة المضادة في واشنطن؟ هل ترضى الرأسمالية الأمريكية التي ألقت بجزء كبير من طاقتها الصناعية إلى الصين، بتصعيد أمريكي تجاه بكين وتهدئة واحتواء مع بيونج يانج؟ هل تتملص بيونج يانج من العلاقة الأحادية مع الصين وتمد الجسور مع الأمريكي؟

  أسئلة كلها معلقة، والكثيرين يرون أن ما جرى في قمة سنغافورة بالغ الهشاشة ومعرض للنكوص عند أقرب منعطف، لكن ظني الخاص أن التهدئة والاحتواء هي الأرجح أن تفرض نفسها على شبه الجزيرة الكورية، في مقابل تسخين جبهات أخرى ترى واشنطن أن لحظة المواجهة فيها قد حانت.

The post العشق الممنوع.. محاولة لفهم مغزى الاندفاعة الأمريكية الأخيرة نحو كوريا الشمالية ج(2) appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.