الشيخ محمد رفعت.. «قيثارة السماء» الذي أسلم على صوته طيارٌ كنديّ!

0


مع حلول شهر رمضان تزدان شوارع القاهرة -خاصة تلك القديمة منها- بالزينة التي تُعلق على الجانبين، ويتوسطها فانوس، على الأرض تنتشر موائد الرحمن التي تُطعم الفقراء وعابري السبيل والمحتاجين، ومع اقتراب موعد الإفطار تنطلق عبر مكبرات الصوت تلاوة قرآنية بصوت الشيخ محمد رفعت، تملأ أرجاء القاهرة وأزقتها وحواريها، ثم يُسمع صوت مدفع الإفطار في الشوارع المحيطة بقلعة صلاح الدين، وفي مصر القديمة، وبحلول وقت المغرب، ينطلق الأذان بصوت الشيخ محمد رفعت أحد أشهر من قرأ القرآن في تاريخ مصر.

القرَّاء الخمس.. أصوات من الجنَّة ما زالت تشدو على الأرض!

البداية.. محنة قاسية تحولت إلى منحة

غير بعيد عن قلعة صلاح الدين وقبل نحو 150 عامًا كان مأمور قسم الخليفة محمود رفعت على موعد مع نبأ سعيد يُبثّ إليه بقدوم مولوده الرابع، محمد رفعت، كان الطفل شديد البياض والحُسن، وكانت عيناه واسعتين ورموشه طويلة، وضعته أمه يوم 9 مايو (أيار) عام 1882 في المنزل القائم بدرب الأغوات، بحي المغربلين بمدينة القاهرة.

نشأ الطفل الصغير مبصرًا واعيًا لكل ما حوله، رأته إحدى جارات أمه فقالت إن له عينًا كعيون الملوك، بعد سنتيْن فقد الطفل بصره وأصبح ضريرًا، ظن الأهل أن عينًا أصابته بالحسد، تذكروا تلك الجارة، لم يكن من الأمر بُد إذ عجز الأطباء عن علاج الطفل الصغير وإرجاع بصره إليه، فأكمل حياته ضريرًا.

أخذه والده إلى كُتّاب مسجد بشتاك، الذي سيصبح فيما بعد مسجد فاضل باشا شقيق الخديوي إسماعيل، حفظ الطفل محمد رفعت القرآن في سن صغير رغم كفاف بصره، بدأت موهبة الصوت الحسن تظهر لديه، رحل والده عن الحياة وعمره تسع سنوات، حيث بدأ القراءة في المآتم والمناسبات لأجل الإنفاق على أسرته وإخوته.

استمر محمد رفعت في التردد على كُتاب المسجد حتى عُين في عام 1918، قارئًا للمسجد الذي سيشهد مسيرة حافلة له، مسيرة استمرت حتى بعد وفاة الشيخ الذي لا يزال صوته يشدو إلى الآن كل يوم في السابعة صباحًا عبر أثير موجات إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

«نيويورك تايمز»: كيف يرى المسيحيون القرآن الكريم؟

مسجد فاضل باشا.. هنا مرَّ الشيخ بأسعد لحظات حياته وأصعبها

ما إن تقع عيناك على منطقة درب الجماميز بحي السيدة زينب بمدينة القاهرة، حتى تلمح من بعيد مئذنة مسجد مصطفى فاضل باشا المبنية على الطراز المملوكي، بمجرد مرورك من بوابة المسجد تجد أمامك استراحة للمصلين قبل الدخول، بعد تجاوزها تجد قاعة المسجد المكونة من ستة أروقة، ترفع عينيك قليلًا فتلمح نقوشات من آيات القرآن ملتفة حول أروقة المسجد بأكمله.

من بعيد يظهر المنبر وبجواره المحراب، تتقدم كثيرًا حتى تجد المحراب المزدان بالزخارف التي تعلوها هذه الآية: «فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب»، تُخفض عينيك قليلًا لتجد كرسيّ الإمام بالقرب من المحراب، هنا كان يجلس الشيخ محمد منذ ما يربو على مائة عام ليتلو  بنفس الآية في ذات المكان.

عقب تعيين الشيخ قارئًا في المسجد بدأت شعبيته تتسع، وبدأ الناس يتحاكون بصوته الباكي في كل مكان، كانت الشوارع المؤدية إلى المسجد تزدحم برواده، ممن يريدون سماع صوت الشيخ وهو يتلو، وكان الترام رقم 5 يمر من أمام المسجد فيطلب الركاب من السائق التوقف قليلًا لسماع صوت الشيخ، أخذ صوته في الانتشار بشكل أوسع.

بدأت الدعوات تنهال على الشيخ من كل حدب، ذهب إلى أول حفلة لرجل متوسط الحال، اتفق معه على أجر 20 قرشًا، انتهى الشيخ من التلاوة فأعطاه الرجل 25 قرشًا، زيادة عما اتفقا عليه لإعجابه الشديد بصوته، أثّرت هذه اللحظة في نفس الشيخ أيما تأثير وظل يتذكرها حتى حكى بنفسه عنها في حوار نادر مع مجلة «الاثنين والدنيا» عام 1940.

اتسع نطاق المساجد التي يقرأ فيها الشيخ محمد رفعت، فذهب إلى مسجد السيدة زينب وهناك سُجلت له العديد من التلاوات، لكنه ظل صديقًا وفيًا لمسجد فاضل باشا الذي شهد بداية رحلته، وشهد أجمل تلاواته، فظل قارئًا للقرآن به لما يزيد على 30 عامًا.

لم يكتف الشيخ بصوته المتفرد فقط، بل حرص على دراسة التفسير وعلوم القرآن، وحتى المقامات الموسيقية المختلفة، فكان يحتفظ بأسطوانات موسيقية لبيتهوفن وموتسارت، وفاجنر، وكان منزله في درب الجماميز صالونًا أدبيًا كبيرًا تهفو إليه الكثير من أفئدة المثقفين وكان من أبرزهم  الفنانة ليلى مراد قبل إسلامها برفقة والدها، وزكريا أحمد وكامل الشناوي وأحمد رامي والموسيقار محمد عبد الوهاب الذي سُئل يومًا إن كان يسمع القرآن فأجاب نعم، وحين سُأل عمن يحب أن يستمع إليه أجاب بأنه الشيخ محمد رفعت، قائلًا عنه: «أنا  كنت خادمه، كنت  تحت أقدامه، كان صديقي خارج القرآن، وحين كان يقرأ القرآن فأنا خادمه، كان يخاطب الله، حين يقرأ كنت أشعر أنه بين يدي الله».

بالصور، العثور على أقدم مخطوطة للقرآن الكريم في جامعة برمنغهام البريطانية

أوَّل صوت يُبثُّ في سماء مصر

﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾

بهذه الآيات بدأت الإذاعة المصرية افتتاحيتها التاريخية في 31 مايو (أيار) عام 1934 كإحدى أقدم الإذاعات اللاسلكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وكان الشيخ محمد رفعت هو صاحب هذا الصوت الذي خرج منها لسماء مصر وربوعها كافة بتلاوة قرآنية من سورة الفتح.

تعاقدت الإذاعة مع الشيخ ليكون أول قرائها، في البداية لم يقبل الشيخ الأمر وفضّل البقاء في مسجد فاضل باشا، ظن أن هناك حرمانية في تلاوة القرآن عبر الأثير، ذهب لشيخ الأزهر محمد الأحمدي الظاهري الذي أفتى له بجواز تلاوة القرآن عبر الإذاعة، وافق الشيخ بعد إجازة شيخ الأزهر ودار الإفتاء المصرية للأمر.

بعد سنة واحدة من رحلته مع الإذاعة المصرية بدأت العروض تنهال عليه من كل مكان، فجاء إليه عرض كبير من مدينة حيدر أباد بالهند يعرض عليه تلاوة القرآن هناك مقابل 15 ألف جنيه مصريّ، وهو مبلغ كبير للغاية في ذلك الزمان لكن الشيخ رفضه، وفضّل البقاء في القاهرة حيث مسجد فاضل باشا والإذاعة المصرية، لم تنته محاولات الإذاعات الكبرى في الحصول على صوته فعرضت عليه إذاعات لندن وباريس وبرلين أن تستهل برامجها الموجهه إلى المصريين بصوته فلم يعبأ بعروضهم ورفضها جميعًا، خشية أن يكون طمعًا في المال، وقال في ذلك قولته الشهيرة: «إن سادن القرآن لا يمكن أبدًا أن يُهان أو يُدان».

لا توجد ختمة كاملة مسجلة بصوت الشيخ، ولولا زكريا مهران باشا عضو مجلس النواب الذي قام بتسجيل الكثير من تلاوات الشيخ لربما لم يكن هناك الآن الكثير من تلاواته، غادرت إحدى الإسطوانات المسجل عليها صوت الشيخ إلى كندا أثناء الحرب العالمية الثانية، هناك سمعها طيار في الجيش الكندي، لا يعرف العربية، أخذه الصوت من بعيد، بدا أن صوت الشيخ رفعت قد جاوز الزمان والمكان ليتمكن من قلبه، أصرّ الطيار على لقاء صاحب هذاالصوت الباكي، نزل إلى مصر، حيث التقى بالشيخ محمد رفعت، وأعلن إسلامه.

كان الشيخ محمد رفعت من الرعيل الأول لقراء مصر، وصفه الشيخ أبو العينين شعيشع بالصوت الباكي، كان يقرأ القرآن وهو يبكي، ودموعه على خديه، وحين سُئل الشيخ محمد متولي الشعراوي عن الشيخ محمد رفعت قال: «إن أردنا أحكام التلاوة فالحصرى، وإن أردنا حلاوة الصوت فعبد الباسط عبد الصمد، وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فمصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعًا فهو محمد رفعت».

«سبحان العاطي الوهّاب»

كانت علاقة الشيخ بمحبيه خاصة للغاية، في حفلاته كان الجميع يستمع منصتًا إلى ما يتلوه، وفي كل فاصل بين آية وأخرى يبرز من بعيد صوتٌ يردد كلمة واحدة «سبحان العاطي الوهّاب»، أطلق عليه محبوه الكثير من الألقاب، أبرزها: قيثارة السماء، كروان الإذاعة، الصوت الملائكي، ولعل أبرز إشادة حصل عليها الشيخ ما قاله عنه علي خليل (شيخ الإذاعيين) الذي عاصر أيامه:

تحس وأنت جالس معه أن الرجل مستمتع بحياته وكأنه في جنة الخلد، كان كيانًا ملائكيًّا، ترى في وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض

كان صوت الشيخ متفردًا في حد ذاته، يمكن تمييزه من بين الكثير من الأصوات، كما يصعب تقليده، بارعًا في المقامات منتقلًا بينها بعذوبة بالغة، يبدأ بالاستعاذة فالبسملة التي يربطها بالآية الأولى التي يقرؤها، وبالرغم من عدم تقدم وسائل التسجيل في أيامه إلا أن صوته وصل إلى الكثير من المستمعين بعد وفاته، ولا تزال تلاوة سورة مريم التي قال عنها محمد عبد الوهاب إنها من أفضل تسجيلات الشيخ التي وصلت إلينا كما هي، تذاع إلى الآن عبر موجات الإذاعة.

قيل عنه إنه كان شديد الرحمة بفرسه، يطمئن عليه كل يوم، ويطعمه، وزار يومًا أحد أصدقائه الذي كان على فراش المرض، فوجده يبكي على حال ابنته التي ستتيتم من بعده، في اليوم التالي لتلك الزيارة قرأ الشيخ رفعت من سورة الضحى، وحين وصل إلى الآية «فأما اليتيم فلا تقهر» تذكر بنت صديقه الذي فارق الحياة بعد ذلك فبكى بكاءً شديدًا، وذهب إليها وتكفل بكل ما تحتاجه.

النهاية.. في جوار البقعة التي أحبها

أخذ الشيخ في التنقل بين بيته في حي المغربلين ومسجد فاضل باشا في درب الجماميز ومسجد السيدة زينب بالإضافة للإذاعة المصرية، لم يكن يحب السياسة ولا قريبًا منها، بدا أنه كرّس حياته لتلاوة القرآن، وفي عام 1942 بدأ ورم صغير يظهر في الموضع الذي لطالما أبهر الشيخ مستمعيه به، في أحبال الحنجرة الصوتية.

لم يشعر الشيخ به في بادئ الأمر، مع تقدم السنين بدأ الورم يتضخم، كان يأتي على هيئة نوبات من  الفُواقة «الزغطة»، هذه المرة كان الشيخ في مسجد فاضل باشا، محاطًا بالمئات من المريدين والمحبين، وكان يقرأ من سورة الكهف،  انقطع صوت الشيخ فجأة، أخذت الفواقة «الزغطة» تطارده، اشتد عليه المرض فلم يستطع أن يكمل القراءة.

 أخرج دواء كان قد وصفه له الطبيب، شربه، لكن الأمر قد استمر معه، استسلم الشيخ في النهاية وتوقف عن إكمال التلاوة، حنى الشيخ رأسه إلى الأرض وسط بكاء كل من حوله، بكى هو كثيرًا في تلك اللحظات، شعر أنه قد حان الآن وقت الوداع، فطلب من أبنائه أن يأخذوه إلى المنزل.

أراد الشيخ أن يكون قبره بجوار حبيبته السيدة زينب، وهبه أحد الأثرياء قطعة أرض بالقرب من مسجد السيدة زينب، اتخذها الشيخ قبرًا له، وكان يذهب إليها كل أسبوع، يفتحها ويقرأ فيها القرآن.

في عام 1949 تم افتتاح اكتتاب عام لعلاج الشيخ محمد رفعت، وجُمع مبلغ قدره 50 ألف جنيه، وعرض الكثير من المسؤولين التكفل بمصاريف علاجه، غير أنه رفض أخذ المبلغ ورفض كل المحاولات المتكفلة بعلاجه، وتمسك بمقولته «إن قارئ القرآن لا يُهان» وظل في منزله.

انقطع الشيخ عن المسجد الذي كان شاهدًا على أفضل لحظات حياته، طيلة 30 عامًا يتلو فيها القرآن، وأقساها أيضًا، حين لم يستطع إكمال التلاوة، زاره صديقه محمد عبد الوهاب وتوافد عليه الأحبة من كل مكان.

أخذ المرض في الانتشار أكثر وأكثر، أنفق الشيخ كل ما يملك على تكلفة العلاج، عجز الأطباء عن إيجاد الدواء، أُصيب الشيخ صاحب 68 عامًا بالتهاب رئوي، وبارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى سرطان الحنجرة، لم يستطع جسده الضعيف المقاومة أكثر من ذلك، كما لم تستطع حنجرته مقاومة «الزغطة» في التلاوة الأخيرة له.

وفي عام 1950 وبالتحديد في التاسع من مايو (أيار) -نفس اليوم الذي وُلد فيه الشيخ-، صعدت روحه إلى السماء ليصادف يوم مولده يوم وفاته،  وليرحل عن الدنيا بجسده، بقي المسجد على حالته إلى يومنا هذا، وسُميّ من قِبل الأهالي بمسجد الشيخ محمد رفعت، كما بقي صوته خالدًا بعد موته بـ68 عامًا، علامة مميزة في شوارع القاهرة بشهر رمضان، وأثيرًا دائمًا يتردد صداه كل يوم في سماء مصر.

عبد الرحمن الجبرتي.. شيخ أرّق محمد علي حيًا وميتًا

The post الشيخ محمد رفعت.. «قيثارة السماء» الذي أسلم على صوته طيارٌ كنديّ! appeared first on ساسة بوست.





Source link

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: