السوق

0


في الحقيقة إن هذا العالم بشع للغاية، لا لشيء إلا لكثرة الطغاة وقسوة الأشرار ووقاحتهم، نجد في كل مرة نستيقظ فيها أن لا شيء يتغير إلا للأسوأ، الشر يبسط نفسه على ظهر البسيطة دون أي رحمة. كل مكان لم يعد سوی ملجأ للوقاحة والسوء وفي كل شيء تجد أن العشوائية تفرض سطوتها، الحب يغيب عنا، عن نفوسنا، وعن العالم الخارجي.

العالم الخارجي!

مصطلح واسع وعميق قد يكون مقصده هو خارج حدود بلدتك، ولكن دعنا نقول إني أقصد بالعالم الخارجي أي مكان تشعر فيه باللا انتماء وتود الهرب منه دون رجوع، حتی لو أن هذا العالم هو خارج حدود غرفتك الكئيبة!

يمكنني الشعور بهذا في كل وقت أجد فيه الناس يتناحرون ويتصارعون على أبسط الأشياء، لم يعد هناك متسع في هذا الضيق.

ما الذي قد يدفع المجتمع للتحول؟!

يمكننا القول بأن الأمور تطورت بطريقة مرعبة، السباب والوضاعة صاروا أساسيات التعامل، بعد ما كان البعض قد يخجل من سلاطة لسانه ودناءة نفسه، انقلبت الموازين، وأصبح المكيال مُختلًّا ووضيعًا، وانقلب كل شيء رأسًا علی عقب؛ فأصبح الشخص الخجول المؤدب ظاهرة غير موجودة أو نادرة، ولم يعد يسيطر سوی لغة البلطجة، والسب، والقذف في شوارعنا، لم يعد هناك احترام لفوارق السن، فالشجارات في الأزقة والشوارع والأحياء لا تفتقد إلی كبير السن أو شاب مراهق وأحدهم يمطر الآخر بأفظع الألفاظ، فقط لأن الموازين مختلة، ولا يتوجب علينا سوی التعامل مع الناس بقبحهم وسوئهم.

السوق.. السوقية.. السوقيون

لم أعد أجد أي وصف لهذا العالم سوی السوق، الجميع يبيع ويشتري، والمال كما هو المال دومًا «يحكم الناس ودنياهم» هناك من يبيع نفسه، مبادئه، آراءه، معتقداته، كلماته، وهناك من تبيع نفسها، كرامتها، بكارتها، جسدها، شرفها، هناك من هم مجبرون علی البيع؛ لأنهم لا يملكون شيئًا آخر للبيع، وهذا أقسی نوع، أن يصل بك الفقر إلى تلك المرحلة، أن تنشأ البنت بين أهلها وهي تعلم أنه حينما يشتد عودها ستُباع لأعلی سعر؛ لأن أهلها اعتادوا البيع من فقر عقولهم وكرامتهم، وفقر نفوسهم، وهناك من يبيع نفسه فداء المال ويفني عمره بأكمله ليحصده وما إن يصل إلی نهاية الرحلة يجد أنه كان يتبع السراب وأنه أفنی حياته في اللاشيء. والبعض يوهمون الناس ببيع نفسهم تحت شعارات الدين أو الانتماء للوطن، فيتطرف جزء منهم نتيجة العقل الضحل والمنغلق وينشأ الإرهابيون، والآخرون يعيشون ويموتون فقراء وهم يظنون أن حق الوطن عليهم أن يفنوا أنفسهم دون مقابل لأنها الوطنية! الوطن هو أي مكان تشعر فيه بالأمان والحرية، هو أي مكان تشعر فيه أنك إنسان لك حقوق وواجبات دون أي مزايدة من أي شخص على وطنيتك، وأن كل حق لك أمامه شيء واجب التنفيذ، وأي شيء دون ذلك هو سلب لآدمية المواطن.

السوقية هي طريقة التعامل بين الناس التي أصبحت تفتقر لأدنی طبقات الذوق والاحترام، وللأسف فإنك تجد هذا جليًّا في كل طبقات المجتمع، الصوت العالي هو ما يحكم الأمور، ما إن تضع قدمك في الشارع فتجد المارة يتشاجرون، أصحاب السيارات يتشاجرون، سائقي الأجرة يتشاجرون؛ وما إن تفتح التلفاز في منزلك علی أحد برامج الرأي فتجد أن أي إعلامي سعيد ومبتسم رغم أن ضيوفه يتراشقون بالألفاظ الدانية بالرغم من كونهم مثقفين!.

السوقيون

أي فئة عامة يمكنها تحديد وتوجيه رأي أي شعب؛ إذ إنهم يمثلون الأغلبية دومًا، وأصواتهم هي ما تؤثر في نتيجة أي انتخابات.

في الحقيقة إن الذوق العام في مجتمعنا قد انحدر كثيرًا، وخصوصًا مع بداية الألفية الثالثة، وكأنها كانت بداية الانهيار.

الحكم للأغلبية، فرأيهم في الانتخابات هو ما يغلب، وكثرتهم في أي رأي هي ما ترجح كفتهم، فليس غريبًا أن نقول إن ذوقهم في الفن والأدب والموسيقى أصبح هو السائد، وبما أن هذه السوق تُحكم بطريقة سوقية فمن المنطقي أن يحكمها من هم أصحاب الكثرة، ليس الأكثر رجاحة عقل أو أعلاهم ذوقًا، فقط الأكثر أغلبية، الذين تعجبهم أمور السوق، من في مصلحتهم أن تكون الدنيا سوقًا لتظل تجارتهم للناس وأحلامهم وطموحاتهم؛ لتظل تجارتهم سارية.

إن العالم بشع لا يوجد فيه رحمة، بعض القلوب قد تنفطر بسبب أبسط الأشياء، وبعض الناس يبيعون قلوبهم وضمائرهم مقابل أي شيء حتى يستطيعوا العيش هنا بقدر أقل من الشعور والألم! تخيل أنك تعيش في كل يوم وأنت تحارب كي لا تبيع أي شيء مما تملك، وأن من حولك يبررون فداحة أمورهم وتنازلهم عن ممتلكاتهم بأسباب واهية قد تُفزعك، وقد يری بعض منهم أن الشرف والمبادئ والكرامة أشياء رمزية لا قيمة لها فيزيد هذا من حزنك، وإن جهل أولئك بحقوقهم هو أقسى جريمة قد فعلتها الحياة بهم، في هذا الزمن لم يعد يملك الكثيرون شيئًا، وأصبح العرض والطلب جائزًا مادام هناك بعض الناس في فقر قاسٍ، والآخرون يملكون الثمن، قد يكون الثمن هو المال، أو الحرية، أو أي شيء آخر ستجد من يبيع يفسر أن ما يبيعه ليس مهمًا له وإن وجوده قد لا يلزمه، وستجد من يشتري يفسر السبب، وأن ما بين البائع والمشتري تراضٍ يجعلك قد تری الأمر بنظرة مُغايرة بعد فترة شك! إن الصمود الحقيقي في هذا العالم لم يعد في المواصلة في البحث عن طرق أفضل للحياة، والوصول إلی رفاهية عالية، بل أصبح في محاولات المحافظة على ما تملك من «رمزيات» -كما يطلق عليها البعض- تمثل لك أنت أهمية الوجود والبقاء وسر الاستمرار الحقيقي، ويمكننا القول فعلًا ما الفائدة إذا ربح الإنسان ما قد يراه مهمًا في فترة ما، وخسر في هذه السوق رمزياته.

The post السوق appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.