الثقافة والدين في المغرب.. وسيلتا استقرار أم اضطراب؟

0


مهما قيل في الأوساط العامة، أو صالونات الأكاديميين ومكاتب صناع القرار، من أنه يمكن الاكتفاء بوصف الأحداث وتحليلها، أو حتى إنتاج تقديرات بشأنها، باعتبار أن ذلك هو المعتاد أو الممكن، لكن ستظل هناك مشكلة حقيقية ما لم يجر التوصل إلى حل لمسألة التوقع، وهنا يكمن دور مراكز الأبحاث في رصد اللامتوقع، غير أنه بالنسبة لدولة كالمغرب فمراكزها مختصة فقط في التطبيل، والتزمير، وتجميل ما يمكن تجميله، وغض النظر عن خطورة الأوضاع السياسة والتطورات الحاصلة، التي تشير إلى أن شعار الاستقرار الذي ملأ الدنيا قريبًا سينفى.

وسأحاول التطرق في هذا المقال إلى المسألة الثقافية، والتناقض الحاصل بين سياسات الدولة والبنيات الثقافية الشعبية، فقد كان الراحل الحسن الثاني قد صرح في حوار صحافي، عقب سقوط نظام الشاه، أن هذا الأخير مما عجل بسقوطه هو فرضه لسياسات علمانية دون التأسيس لنظام معرفي وثقافي يتماشى مع المبادئ العلمانية، الشيء الذي استغله الخميني وجماعاته الإسلامية، في التحريض على إسقاط الشاه، وإحلال نظام إسلامي على المذهب الشيعي الذي يتبعه غالب سكان إيران؛ مما أدى إلى سطوة شعبية الخميني، وتغلغل تفكيره في الأوساط الشعبية، فرغم أن النظام كان مدعومًا من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، وكان يعد أقوى حليف ودركي المنطقة، لم تستطع هذه القوى العالمية وقف زحف المد الإسلامي المعارض، وكانت النتيجة في الأخير صعود الخميني إلى سدة الحكم، وإقرار نظام ولاية الفقيه.

ماذا نستفيد من هذه التجربة، إن الوضع في المغرب بعد ثورات الربيع الديمقراطي يشابه إلى حد قريب الوضع في إيران في بداية السبعينيات، سواء اقتصاديًّا، أم سياسيًّا، أم اجتماعيًّا، وحتى ثقافيًّا؛ فقد بدأ الاحتقان الاجتماعي في الفوران، ونتائجه غالبًا ما تكون صدامية، فإن كانت العولمة قد فرضت على المغرب تبني سياسات علمانية؛ فقد كان يتوجب على صناع القرار إعادة هيكلة المؤسسات التعليمية والثقافية بما يتناسب مع المعطيات الجديدة، فالمؤسسات التعليمية بما تعانيه من هزال وضعف في التكوين، لن تنتج إلا أجيالاً من الضباع، بتعبير السوسيولوجي الراحل محمد جسوس، مما ينتج عنه نزوع الشباب نحو تبني أيديولوجيات متطرفة، وانخراطهم بالجماعات الإسلامية، وذلك راجع لانعدام الحس النقدي الذي تكرسه المؤسسات التعليمية، وبالتالي ترسيخ ثقافة الشيخ والمريد، وتسفيه الفلاسفة والمفكرين، وإن كانت المؤسسة الملكية تحتكر إمارة المؤمنين، ورئاسة المجلس العلمي الأعلى، إذ إنه الجهة الوحيدة المعنية بإصدار الفتاوى بالمغرب؛ فهذا لا يضمن الأمن الروحي الذي قد يكون سببًا في إشعال حروب وثورات، كما حدث في بعض الدول العربية، لذلك فجماعة العدل والإحسان ما زالت تنافسها على هذه الصفة، خصوصًا أن هذه الأخيرة تتبنى المنهج نفسه الذي يتبناه غالبية الشعب المغربي، ألا وهو الإسلام السني المالكي، والعقيدة الأشعرية، وطريقة الجنيد السالك في التصوف، مما يعني أنها لن تحدث للشعب صدمة ثقافية ودينية في حالة استيلائها على الحكم.

إن التفكير الاستباقي فيما يختص بتوقع الصدمات المستقبلية والتعامل معها، يواجه إشكالية معقدة ترتبط بالتغير السريع للظواهر السياسية والاجتماعية، وبإخفاق أغلب المفاهيم والمناهج العلمية وأدوات التحليل في حقل العلوم الاجتماعية في متابعة التحولات غير المتوقعة، وبالإضافة إلى العوائق الدرامية والتحيزات الذاتية للمحللين، إن المغرب اليوم يواجه أزمة حقيقية سياسية، واقتصادية، واجتماعية، تتوجب على صناع القرار التعامل بجدية مع الأحداث المتطورة بشكل متسارع، وتعويض سياسة المقاربة الأمنية والآذان الصماء، بمقاربة تشاركية في صنع القرار، وبناء نظام تعلمي علمي وعصري، يواكب الثورات الثقافية، والمعرفية، والتقنية، والفنية العالمية، الشيء الذي سيساهم في التأسيس لثورة ثقافية حقيقة، وبالتالي تحقيق نهضة في كل المجالات، الشيء الذي سينتج منه استقرار سياسي، وأمني، واجتماعي، وتطور اقتصادي.

The post الثقافة والدين في المغرب.. وسيلتا استقرار أم اضطراب؟ appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.