التكوين الجامعي في المغرب بعيد بسنوات عن متطلبات سوق الشغل

0


ما يزال السواد الأعظم من طلبة المغرب يتقاطرون بداية كل سنة جامعية على التخصصات الأدبية بشكل خاص، وعلى الكليات بشكل عام، أملًا في الحصول على تكوين يؤهلهم للحصول على وظيفة تؤمن لهم حاجياتهم المعيشية، سواء في القطاع العمومي أو الخاص.

وتستقبل مدرجات الجامعة كل سنة أعدادًا غفيرة من الطلبة الراغبين في استكمال دراساتهم الجامعية في فصولها، منهم من حصل مؤخرًا على شهادة البكالوريوس التي تؤهله لذلك، ومنهم من يرغب في العودة للدراسة بعد انقطاع طويل؛ لكن لا بد لأغلب هؤلاء أن تذيقهم الجامعة مرارة فراقها عبر قضائهم مدة من العطالة، قد تطول أو تقصر حسب «الحظ»، وما يلحقها من آثار اجتماعية ونفسية على الطالب.

طلبة استبدلوا مقاعد الدراسة بالهجرة نحو «الإلدرادو» الأوروبي

عدد لا بأس به من المواطنين الحاصلين على مستويات جامعية (شهادة الليسانس) والطلبة، حسب تقارير إعلامية محلية وأجنبية، أصبحوا يعادون جثثًا هامدة إلى أوطانهم بعد محاولة غير موفقة لأجل العبور إلى العالم الآخر، غير دول العالم الثالث، أو تجهل مصائرهم بعد ركوب قوارب «النجاة» من شبح البطالة، وعدم تأمين الحاجات اليومية في بلدهم المغرب.

وهنا يمكن اعتبار عاملين أساسين سببًا في الهجرة، بالرغم من التوفر على مستوى جامعي: الأول يتعلق بالتذمر الكبير من السياسات العمومية، والطموح لما هو أكثر حفاظًا على الكرامة الإنسانية، والثاني عدم الاستعداد لتحمل تبعات مستقبل مجهول لأبنائهم الذين سيأتون.

واقع هؤلاء الطلبة، هو انعكاس لسياسات تعليمية واجتماعية كثيرًا ما التصق بها «الفشل»، وإعلان إخفاق ذريع في سن مشاريع مجتمعية تبتغي تحسين مستوى العيش لدى الفرد، وتوفير تعليم يوافق أهدافه الحياتية، ويجنبه الركون لقافلة الحاصلين على شهادات عليا، وغير المزاولين لنشاطات تؤمن لهم ما يستلزمه البقاء قيد العيش.

واحد من أصل 10 أشخاص فقط يحصلون على وظيفة «استطلاع»

كشف آخر استطلاع أجراه موقع «REKRUTE» المختص في عرض فرص التوظيف، أن واحدًا من أصل 10 أشخاص فقط، يستطيع الحصول على وظيفة، وأن نسبة 75% تمثل الأشخاص الذين يتخرجون من الكليات والجامعات العمومية يحصلون على أجر يقل عن 426 دولارًا شهريًّا.

وانتهت الدراسة إلى أن فرص العمل النادرة والأجور المنخفضة دفعت 34% من الشباب الذين شملهم الاستطلاع إلى العمل في مجال غير مجال تخصصهم الجامعي، مؤكدة ما صرح به وزير التعليم المغربي، سعيد أمزازي، كون 600 مهندس يغادر المغرب في اتجاه دول غربية، يتصدرهم تخصص المعلوميات، لأجل العمل والاستقرار، مضيفًا أن فرنسا لوحدها يشتغل بها 7 آلاف طبيب في تخصصات مختلفة.

موقف سيتعزز بالخطاب الملكي الذي ألقاه عاهل المملكة بمناسبة ذكرى توليه العرش، حين أقر أن الشباب المغربي أصبح يفكر في الهجرة إلى الخارج؛ لأنه لا يجد المناخ والشروط الملائمة للاشتغال والابتكار والبحث العلمي في وطنه، كما لا يجد التعليم والشغل والصحة الجيدة، كما أن الطلبة المغاربة في الخارج لا يريدون العودة الى المغرب للأسباب ذاتها.

ودقت المندوبية السامية للإحصاء والتخطيط في غير مرة، ناقوس الخطر، بخصوص تزايد انتشار ظاهرة البطالة في صفوف الشباب، إذ قدرت عدد العاطلين بأزيد من مليون و200 ألف عاطل، وتبقى أكثر ذيوعًا في وسط حاملي الشهادات الجامعية، إذ تمثل 27.7%.

التخصصات الأدبية والنظرية حمل ثقيل على اقتصاد المملكة

تشير آخر الإحصائيات المبثوثة على موقع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، إلى كون 822 ألف و191 طالبًا من الأسلاك الثلاثة «إجازة- ماجيستر- دكتوراه» يتابعون دراساتهم العليا في مختلف الجامعات المغربية وروافدها، وهو ما يعني إذ ما بقي الحال على حاله، أن الرقم نفسه سيضاف إلى مجموعات العاطلين حاملي الشهادات العليا، وينذر بارتفاع مهول في صفوفهم، وبتداعيات اجتماعية وأمنية ستعود سلبًا على البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

تخوف كان قد أعلنه الوزير المغربي للتعليم السابق، لحسن الداودي، الذي صرح أن اختيارات الطلبة خاصة في الشعب الأدبية لسوق الشغل في المغرب، لا تلائم متطلبات سوق الشغل، وهو التصريح الذي يؤكد التباعد الحاصل بين ما يلقن في الجامعات، وبين ما تحتاجه المقاولات بشتى أنواعها وتخصصاتها.

تغيير في الوجهة (ما بعد البكالوريا) أو التخطيط المسبق خلال الثانوي، يمكن أن ينقذ الشباب من شبح البطالة بعد الحصول على درجة جامعية عليا، إذ إن دراسة التخصصات التقنية والعملية يمكنها الرفع من حظوظ الحصول على وظيفة في مقابل دراسة التخصصات الأدبية والنظرية، التي لا تساعد في الرفع من الإنتاج والإنتاجية في المغرب.

تطوير نظام التشغيل دون الانتباه لتكييف نظام التعليم

في البدء، كانت عملية التشغيل في القطاعات الحكومية في المغرب تتم بشكل مباشر، ودون انتقاء أو مباراة، وتزيد فرص إيجاد شغل بنسبة كبيرة إذا ما كان المتقدم للوظيفة حاصلًا على شهادة جامعية عليا، بعدها انتقلت سياسة الدولة إلى إقرار التوظيف بالمباراة، وإحلال مجموعة من التدابير المرافقة التي تبدو «أكثر شفافية وموضوعية»، لتستقر في قطاع واحد، وهو قطاع التربية والتعليم، على قرار جعل الولوج للقطاع عبر إجراء مباريات كتابية وشفاهية، ثم توقيع عقدة بين مصالح الحكومة والموظف لسنتين قابلة للتجديد.

هذه التحولات التي أشرنا إليها، جاءت بها الحكومات التي تعاقبت على تسيير الشأن العام للمغاربة، استجابة للتحولات الاقتصادية والإنتاجية ولأهداف السوق المحلية الجديدة، ولمتطلبات التنمية الاقتصادية، وتطبيقًا لما أصبح يفرضه مناخ الأعمال والإنتاج الإقليمي والدولي؛ إلا أن كل هذا سعى إلى تكييف «الموجود» مع سياسات التشغيل الجديد، دون حتى محاولة تكييف حاجات سوق الشغل مع التخصصات المتوفرة، وكيفية توجيه الموارد البشرية لما يحتاجه هذا السوق، درءًا لكل اصطدام للطالب بالحائط، ولكل إمعان في تعميق الفجوة بين سوق العمل والتكوين.

ما سنته الحكومة بشكل غير مسبوق، عليه أن يواكبه إعادة نظر بشكل مسؤول في أوضاع التعليم، خصوصًا مرحلة ما قبل البكالوريا، عبر تحديث المناهج ونظم التدريس، مما يمكن من تمهير الطلبة، وإكسابهم معارف ومهارات يتطلبها سوق العمل، دون إغفال فتح ورش لنقاش عمومي حول التشغيل والتكوين في المغرب، حتى تتمكن من التجسير بينهما.

The post التكوين الجامعي في المغرب بعيد بسنوات عن متطلبات سوق الشغل appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.