التدفق الشعري واستراتيجية الحكمة في “قلب الثلج” للشاعر نور الدين الزويتني | مراد الخطيبي

0


مراد الخطيبي

أصدر الشاعر المغربي نور الدين الزويتني سنة 2014 مجموعته الشعرية “قلب الثلج” ببيروت عن مؤسسة كتابنا للنشر،تزين غلافها لوحة جميلة للفنان التشكيلي المغربي المتميز عبد الله بلعباس. تتألف المجموعة من 27 نصا شعريا.

سئل عبد الكبير الخطيبي ذات لقاء عن مفهومه للشعر،فأجاب:

” الشعر في رأيي ليس تلاعبا بالكلمات هذيانيا. الشعر إيقاع،إحساس،وفكر في نفس الوقت،ولهذا أطلب من الشعر أن يدفعني إلى التفكر والتحسس إزاء الأشياء وبقوة”.

روبرت فروست Robert Frost يرى بأن الشعر يمنحك الفرصة لكتابة شيء وأنت تقصد معنى آخر.

” قلب الثلج” مجموعة شعرية تحتفي بالشعر ،تنظر له ولو بطريقة غير مباشرة، مجموعة شعرية تحيا داخل الشعر ومن خلاله،تنساب فيها اللغة بسلاسة، يبتعد فيها الشاعر عن التقعير وعن الإطناب.

يحملك الشاعر فيها إلى عوالم يصورها ببراعة شديدة وتخلق لديك متعة حقيقية ولذة plaisir  بمفهوم بارت. تسافر مع الشاعر إلى هذه العوالم  وأنت تسترجع معه حكايات بصياغة جديدة ،قد تكون ربما قرأتها ذات مرة،أو ربما سمعت عن بعض رموز محكياتها أو ربما تبدو لك صورا تتراقص وهي تحاكي قصصا مختلفة منسوجة بإحكام في ذاكرتك أو ربما قد تثير فضولك من أجل القيام بالبحث عنها وتأملها والتعرف على بعض رموزها.

القصيدة في “قلب الثلج” غنية بالدلالات ومشعة بضوء أخاذ تستضيفك بفرح كبير وبهجة قوية.

المجموعة الشعرية “قلب الثلج” تعيش على هامش الحياة وداخلها بل وتتجاوزها،هي وحدة وأجزاء في نفس الوقت. حتى إن بعض النصوص يمكنك تصفحها ابتداء من آخر سطر وهذا هو السحر الذي يزينها.

  • “قلب الثلج” أو استراتيجية الحكمة

“قلب الثلج” تبدو مثل رحلة فيلسوف زاده المعرفة ولا شيء غيرها،تذكرنا برائعة “هكذا تكلم زرادشت” لنيتشه أو “النبي” لجبران خليل جبران. الشاعر فيها سارد جيد وحكيم خبر الحياة ، و تعلم كثيرا من المجالات المعرفية وله ثقافة واسعة ينثر البعض منها بلغة شاعرية جميلة وبتقنيات تبتعد عن أسلوب الوعظ أو التعليم المقيت.

يقول الشاعر في قصيدته ” قلب الثلج” والتي تحمل نفس عنوان المجموعة:

في الطريق

الذي يوما ما

لن تسلكه عائدا أبدا

أكثر من سبب للموت،

ومن عظة للغراب،

ومن جثة

تشبه الرجل الفيل،

وامرأة

تشبه المومياء ؛

…………………….

في الطريق الذي هو

ذات الطريق إليك

……………………

أكثر من شاهدة

فوقها اسمك،

أكثر من حطام

تحته قلبك،

أكثر من شرطة حدود

وقراصنة نشيد؛

  • ثنائية السخرية والرفض

“قلب الثلج” هو صرخة موجعة ولكنها مليئة بالسخرية كنوع من اللوم والعتاب والاحتجاج الرمزي على حال من احترقوا بنار الكلمة أي الشعراء،أي مكانة لديهم داخل منظومة لا تعترف بالإبداع والمبدعين والثقافة والمثقفين؟

يقول الشاعر في قصيدته “لا أمل لا طائل”:

في الشعر لا أمل ولا طائل،

كل قصيدة

رسالةإلى امرأة

عرفتها في حياة أخرى

قبل أن أنتقل مكرها إلى هذا

العنوان:

55،ك.ب.د الجديدة،

الرسالة نفسها

الممهورة دائما بختم جوزيف برودسكي

وسؤاله المرعب

“من حشرني ضمن الجنس البشري؟”

ويضيف الشاعر في نفس القصيدة:

لا أمل لا طائل

أيها الشاعر،

فقط هذه الوصية:

اضبط ساعتك

على موعد سقوطك

ولا تكن هاملت ولا المجنون

ولا حتى جوزيف برودسكي

التي تشبه سحنته قصائدك الأخيرة،

فصدور الموتى الشعراء

تعاني أحيانا نوبات سعال لا تطاق،

كما أنك لا تتصور

مدى إشفاق هؤلاء

وهم يرونك كل صباح

متأبطا كساعي بريد أحدب

كيس خساراتك

وإصرارك مع ذلك

رغم التعب الطويل والندوب والسنين

أن تكون شاعرا.

” بالوجع تكتب” قصيدة أخرى تحمل نوعا من عدم التقدير لمكانة المبدع وقيمته الحقيقية من قبل البعض بدعوى غياب تأثيره وسلبيته بشكل عام،ويتم توصيف حالته بنوع من السخرية الموجعة وكأن المعاناة لن تولد إلا المعاناة في النهاية ولن يعترف بك أحد، وفي الآن نفسه فهده القصيدة هي تهكم من الآخر لأنه يجهل تماما :”ماذا تعني أن تكون شاعرا”:

قيل للشاعر

بالوجع تكتب

ولا تلد سوى تصاوير وأخيلة

لا تعني العالم في شيء،

لذلك مع القلق والرطوبة

والقصائد

تتعفن روحك

فتنتهي كالشاعر “بو”

قصيدة “حدث الليلة” تسير على نفس المنوال من حيث كونها تصوير قاتم لحال الشعراء في عالم خربته الماديات واحتوته غشاوة الجهل والجهالة بشتى أصنافها.

مخمورا حتى الموت

في بالوعة شارع عام،

أو نخاسا وتاجر سلاح فاشلا،

كالشاعر “رامبو”،

أو منتحرا بالمرض،أو العشق

أو الغرق أو الشنق

كامرئ القيس،ومارلو،

والحلاج،وشاترتن،وبايرون،

وسيلفيا بلاث،والسياب…

  • المجموعة الشعرية “قلب الثلج” أو الرغبة في الاحتفاء باللغة

“أول القصيدة” قصيدة تمثل فرادة اللغة وسلاستها وانسيابيتها والتي تكلمنا عنها في البداية وتحقق ما يقوله الشاعر ويليام ووردسوورث William Wordsworthفي تعريفه للشعر الجيد بكونه  ذلك الذي ينساب سلسا دون تعقيد ويترجم بعض التفاصيل بلغة جيدة وجذابة. يقول الشاعر:

في البدء

لم يكن الأسف واردا

ولا البكاء

فقط الحنين يعبر مسافة الحداد

في البدء

لم يكن العواء

يملك غابات الذاكرة،

  • الحلم وقيمته المركزية في “قلب الثلج”

يشكل الحلم عنصرا مهما داخل المجموعة الشعرية لكنه حلم أقرب إلى اليقظة والوعي المتقد،يقول الشاعر في قصيدته “اليد والورقة”:

في الغربة المجاورة

يسهر خمسة من الاشباح

أكبرهم شخصية إيرلندية

في قصة لجيمس جويس

والآخرون عابرو سبيل

في صفحات للوفيات في جريدة قديمة.

كان الجميع يسمرون

حول زجاجتي خمر رخيصة

اقتناهما الإيرلندي العجوز

بقطع نقدية اختلسها من مصرف

بدبلن.

إلخ

هي قصيدة في شكل حكاية يمكن تصنيفها ضمن أدب ما بعد الحداثة أو بالغرائبي تحديدا.حكاية تبدو في البدء واقعية ولا تلبث أن تنتهي بفك اللغز عن طريق استراتيجية الحلم.

  • عنف النص

في بعض النصوص الشعرية يجد القارئ ما يطلق عليه الناقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد الفرنســـــــــــــــــي Marc Gontard “عـــــــــــــــــــــنــف النــــــــــــــــــــــص la violence du texte،عنف بمعنى عمق دلالي وقوة خارقة تفيد المعنى دون تعقيد أو تقعير. عنف يكسو النص بشاعرية دافئة وقوية من حيث مضمونها، فلننصت إلى هذا النص العنيف إذن وهو تحت عنوان ” ضفاف يحرثها الخطر”،وهو نص توصيفي للذات أو للأنا بتعبير الفلاسفة:

لسنا بحاجة إلى

نوافذ نلقي منها

بالبحر.

لسنا بحاجة إلى

سقوف

إلى جدران.

نحن طيور البلشون

ودببة القطب

نخطر بقوائم

متعامدة،

بخطى تقدح البروق،

حاملين فوانيس الذهب،

شاهرين العاصفة،

صعاليك

سكارى

شعراء

  • مسألة الهوية

هذا العالم لم يعد يتسع للشاعر،هذا العالم ليس ملكه ،هذا العالم ليس مكانه. الخلاص هو الهروب والهجرة نحو فضاء ينشد فيه الأمن والأمان،ويحقق فيه أناه العليا بالمفهوم النيتشوي،وكأن حال لسان الشاعر يطبق فلسفة نيتشه حول علاقة الفرد بالجماعة حيث يؤكد على ان الفرد يذوب داخل جماعة معينة بمعنى لا صوت له داخلها ولا يستطيع تحقيق ذاته ولا استقلاليته. الشاعر في “قلب الثلج” يطمح إلى تحقيق فردانيته ولا يرضى بالذوبان داخل منظومة لا تتناسب مع ملكاته الفكرية و قيمتيه الإبداعية والإنسانية.

هو يريد الحفاظ على هويته كإنسان وصيانة قدسية شخصه. وحتى الإسم،فالشاعر يريد استبداله باسم آخر وكأنه يرفض المثل الهندي القائل:”اسمك الشخصي قدرك”.

يقول في قصيدته ” سماء لا تشبه السماء”:

من الآن

سأنتحل اسما آخر

كي لا يعرفني جمركي النشيد

سأمضغ حين أجوع

زهور الغضب

وورق الأوكاليبتوس

خاتمة

أخيرا وليس آخرا ، “قلب الثلج” مجموعة يتدفق فيها الشعر زلالا ، يذيب صقيع الثلج يدفئ الأمكنة ويلهب الأفئدة ويستفز الذاكرة من أجل متعة حقيقية جوهرها اللغة واستراتيجيتها الحكمة وآليتها السخرية.إذا كان الشاعر نور الدين الزويتني قد شبه “قلب الثلج” في إحدى نصوصه بالروح الباردة،فالحقيقة تقول أن هذه المجموعة الشعرية تصدر البهجة والفرح وتقلص المسافة شيئا ما بين النص الشعري والقارئ لابتعادها عن الغموض غير المبرر.وفي الآن نفسه، القارئ مطالب أيضا بالصعود إلى أعلى والاجتهاد أكثرمن أجل تحقيق تفاعل مع النص بالقوة اللازمة والتواصل الحقيقي بتعبير عبد الكبير الخطيبي .

التدوينة التدفق الشعري واستراتيجية الحكمة في “قلب الثلج” للشاعر نور الدين الزويتني | مراد الخطيبي ظهرت أولاً على الموجة الثقافية.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.