الأساتذة المتدربون بالمغرب.. قضية تأبى النسيان

0


قبل أكثر من سنتين، كان عشرات الآلاف من الأساتذة المتدربين يحتجون في الشوارع المغربية ضد مرسومين وزاريين غير قانونيين، وسط تضامن كبير من طرف الهيئات النقابية والسياسية والحقوقية وجميع أبناء الشعب المغربي. فتُوجت هذه النضالات والاحتجاجات بتوقيع محضر اتفاق رسمي بين ممثلي الدولة المغربية وممثلي الأساتذة المتدربين، كان من أهم مضامينه توظيف الفوج كاملًا، وإرجاع المرسومين الوزاريين إلى طاولة الحوار القطاعي. لكن النتيجة كانت انتقامًا ممنهجًا من طرف الدولة المغربية بطريقة غير مسبوقة.

كانت عملية توظيف المدرسين بالمغرب تعتمد على انتقاء أولي للمتبارين حاملي شواهد الإجازة في تخصصاتهم أو الإجازة في التربية، حيث يجتاز المنتقون مباراة كتابية في علوم التربية، وفي التخصص، ثم يجتاز الناجحون في المباراة الكتابية مباراة شفوية وعملية يختبرون فيها مدى تمكن المتبارين من التدريس. بعد هذه المباريات يجتاز الناجحون بصفة نهائية تكوينًا نظريًا وعمليًا لمدة سنة كاملة في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، ثم بعد استيفاء التكوين بشقيه يتم تعيين المدرسين في مقرات عملهم التي غالبًا ما تكون في مناطق نائية.

نفس هذه المراحل اجتازها فوج 2015-2016 بامتحاناتها الشفوية والكتابية، غير أن الجديد بالنسبة لهم كان إصدار مرسومين وزاريين في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية بتاريخ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 وذلك بعد اجتياز الفوج لجميع مراحل المباراة وولوجهم المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. أحد المرسومين 2.15.588 الذي لم يكن الفوج معنيًا به قانونيًا؛ لأنه صدر بعد الإعلان عن المباراة وإجرائها، كان ينص على فصل التكوين عن التوظيف بصفة نهائية خلافًا لما كان معمولًا به في وزارة التربية الوطنية. هذا المرسوم أرادت الدولة تطبيقه بأثر رجعي على فوج 2015-2016 وبالتالي حرمانهم من حقهم في ممارسة مهنة التدريس بعد اجتياز سنة من التكوين النظري والعملي.

رفض الأساتذة المتدربون هذين المرسومين وتوحدوا في إطار التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين بالمغرب وشكلوا ملفًا مطلبيًا وطنيًا أهم مطالبه إسقاط المرسومين الوزاريين. فقامت التنسيقية الوطنية بتجسيد خطوات نضالية ناجحة وغير مسبوقة وطنيًا ومحليًا على مستوى جميع المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالموازاة مع مقاطعة شاملة ومفتوحة لجميع الدروس النظرية والتداريب الميدانية؛ مما أعطى للمعركة إشعاعًا إعلاميًا كبيرًا، وجعلها تحتل صدارة الأخبار الوطنية ووصل صداها إلى منابر دولية، كما جعلت هذه المعركة الحكومة المغربية في ورطة كبيرة نتيجة تعطيل التكوين بالمراكز وكثافة الأشكال النضالية المتوالية للأساتذة المتدربين. أقرت الحكومة المغربية بعدم قانونية المرسومين وذلك على لسان رئيسها، لكن دون نتيجة، حيث لم يحرك المسؤولون الحكوميون ساكنًا، ولم يتخذوا أي إجراء من شأنه إنصاف أساتذة الغد، بل اكتفوا بنشر المغالطات والتصريحات الصحفية المغرضة تجاه التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين؛ ومما زاد الأمر سوءًا التدخلات الأمنية العنيفة ضد احتجاجات أساتذة الغد، والتي خلفت إصابات خطيرة في صفوف المتظاهرين، لعل أبرز هذه التدخلات مجزرة 7 يناير (كانون الثاني) 2016 بمدينة أنزكان أثناء مسيرة سلمية للأساتذة المتدربين.

ظلت التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين بالمغرب تجسد جميع برامجها النضالية المسطرة من طرف مجلسها الوطني، وعرفت تضامنًا واسعًا من طرف النقابات والهيئات السياسية والحقوقية وغيرها، في ظل استمرار تجاهل المسؤولين لمطالب هذه الفئة من أبناء الشعب المغربي، لكنها فتحت حوارا ولو بشكل متأخر مع التنسيقية الوطنية وذلك بواسطة والي جهة الرباط – سلا – القنيطرة، الذي كان مراوغًا في جميع جولات الحوار بهدف تشتيت صف الأساتذة المتدربين وثنيهم عن مواصلة النضال. كان يحضر في الحوار إضافة إلى طرفيه النقابات التعليمية ومبادرة مدنية مشكلة من رموز وطنية هدفها تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر قصد الوصول إلى حل يرضي الطرفين. نُسف الحوار في البداية بسبب تعنت الوالي وإصراره دائمًا على العودة لنقطة الصفر، لكن بعد استئناف الحوار وتشبت الأساتذة المتدربين بالنضال والمقاطعة المستمرة للتكوين، تم التوصل إلى حل يقضي بتوظيف الفوج كاملًا وإرجاع المرسومين إلى طاولة الحوار القطاعي. وقد تم توثيق هذا الاتفاق في محضر رسمي يوم 13 أبريل (نيسان) 2016، بالإضافة إلى محضر تفصيلي يوم 21 من نفس الشهر يبرز آلية التوظيف الكامل لهذا الفوج. هذه الآلية جعلت فيها الدولة المغربية ثغرة جعلت تهدد من خلالها بالتنصل من وعدها، حيث فرضت على هذا الفوج أن يجتاز مباراة أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس السنة رغم نجاحهم في تكويناتهم وتعيينهم بمناطق عملهم. هذه المباراة كانت هي الأخرى غير قانونية، بل كرست المرسومين الوزاريين موضوع الصراع، واللذين تمت التوصية بإرجاعهما إلى طاولة النقاش، واللذان قٌررا في الأصل دون مشاورة أهل الاختصاص ضربًا في مبدأ المقاربة التشاركية المنصوص عليها في الدستور المغربي. ثغرة جعلت جميع الأساتذة المناضلين يتوخون الحذر من خبث المسؤولين وانتقامهم من كل من طالب بحقه وأرغمهم على النزول من برجهم العاجي والتحاور مع أبناء الشعب.

التحق الأساتذة المتدربون بتكويناتهم بعد رفع المقاطعة الشاملة، لكن أولى بوادر الانتقام كانت في مركز العرفان بالرباط، حيث حرم تسعة أساتذة متدربين من شواهدهم بطريقة مشبوهة، واستمر مسلسل المطالبة بإنصافهم حتى بعد التحاق أساتذة الفوج –الذي سمته الوزارة بفوج أبريل نوفمبر 2016 – بمقرات عملهم في مختلف ربوع المغرب رغم عدم تسوية وضعيتهم المادية والإدارية، واستمرت التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين في عقد مجالسها الوطنية ومتابعة تنزيل بنود محضر الاتفاق. تم الإعلان عن المباراة المذكورة في المحضر التفصيلي بمجموع مناصب مالية يقدر بـ 9390 منصبًا، يعني أن عدد المناصب المعلنة كان يفوق عدد الأساتذة المتدربين الذين كان عددهم لا يتجاوز 9279، مع احتساب الأقدمية الإدارية ابتداء من 2 سبتمبر (أيلول) 2016 والزحف على الحق في التسوية المالية ابتداء من نفس التاريخ. مرت المباراة أيام 14 و15 و16 من شهر نوفمبر في شقها الكتابي الذي عرف نجاح جميع الأساتذة المتدربين بدون استثناء، فاجتاز الجميع الشق الشفوي أيام 26 و27 و28 و29 من نفس الشهر في أجواء عادية، بل كانت أجواء محفزة حيث شهدت اللجن بكفاءة المتبارين وأقروا بأن المباراة لا تعنيهم وفرضت عليهم بطريقة غير قانونية.

كان من المفترض إعلان نتائج هذه المباراة في فاتح يناير 2017، لكن تأخرًا وتماطلًا غريبًا حدث من طرف الوزارة المعنية، حيث مر أكثر من أسبوعين ولم يتم الكشف عن النتائج مما جعل أساتذة الفوج يشكون أن انتقامًا يدبر في الكواليس، خصوصًا أن بوادره كانت جلية منذ توقيع المحضر الملغوم كما يسميه البعض. تم الكشف عن نتائج المباراة يوم 19 يناير 2017، وقد كان متزامنا مع تنظيم أشكال احتجاجية في كل الأقاليم، لكن الصدمة كانت بعد أن اكتشفوا أن 150 أستاذا وأستاذة أسماؤهم غير واردة ضمن لوائح الناجحين. استفسر الأساتذة المتدربون عن السبب فاكتفت الوزارة بالصمت وأعرب مسؤولون في الوزارة عن عدم علمهم بتفاصيل إعلان النتائج. والغريب في الأمر أن الوزارة لم تكلف نفسها عناء نشر تفاصيل المباراة كما كانت تفعل سابقًا، بل سارعت إلى طمس كل آثار المباراة من جميع الأكاديميات وتجميعها بالعاصمة الرباط. قامت جميع النقابات التعليمية ونقابات المفتشين بإصدار بلاغات تضامنية واستنكارية بعدما تأكد الجميع من أن الأمر يتعلق بترسيب تعسفي، وليس رسوبًا في المباراة، تأكدوا أن الأمر يتعلق باستغلال المرفق العمومي لتصفية الحسابات مع شباب طالبوا بحقهم وطالبوا بإسقاط مرسومين غير قانونيين، خصوصًا بعدما تأكد أيضًا وبالملموس أن من تم إقصاؤهم كانوا من مناضلي التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين.

استمرت التنسيقية في الاحتجاج على هذا الترسيب التعسفي من خلا مسيرات وطنية حاشدة وأشكال احتجاجية بمعية المتضامنين، لكن الدولة المغربية استمرت في تعنتها وتنكرت لوعودها والتزاماتها الموثقة بشكل رسمي. ورفضت الوزارة تمكين المرسبين من حقهم البسيط في الاطلاع على نتائجهم، بل تم إخفاؤها عن الجميع؛ مما جعلهم تحت شبهة تزوير النتائج النهائية وحذف أسماء الناجحين، خصوصًا أن أغلب المرسبين أكدت لهم اللجن أنهم ليسوا ناجحين فقط، بل حصلوا على نتائج مشرفة جدًا. ورغم استمرار الاحتجاجات التي وصلت إلى الإضراب عن الطعام كخطوة تدل على عدالة القضية، إلا أن الجهات المعنية بحل الملف اكتفت بالصمت من جهة وترويج الإشاعات من جهة أخرى.

أجمع الجميع أن الترسيب التعسفي جريمة مكتملة الأركان، تدل من خلال عدة حجج ودلائل على استغلال النفوذ والسلطة من أجل استهداف كل من سولت له نفسه أن يطالب بحقه، وتدل أيضًا على عدم استقلالية وزارة التربية الوطنية والتحكم فيها من طرف جهات أخرى ذات نفوذ سياسي كانت تسير الملف منذ بدايته. ترسيب تعسفي أريد له أن يكون إشارة سياسية لكل حركة احتجاجية أرادت أن تطالب بحقوقها، ولكل شخص أراد إرغام الدولة على سحب قوانين ومراسيم لا تخدم الصالح العام. وأراد المسؤولون أن يطووا صفحة هذا الملف من خلال تجاهله والتضييق على كل من أبدى تضامنه مع هذه الفئة المقصية، لكن الترسيب التعسفي في حق المناضلين لن يطاله التقادم وسيظل شاهدا على تسلط المسؤولين وعلى العشوائية في تسيير قطاع حساس كقطاع التربية والتعليم.

The post الأساتذة المتدربون بالمغرب.. قضية تأبى النسيان appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.