الأرقام الصعبة واستسهال الجوع

0


كل سنة في منطقتنا العربية تتخرج آلاف الدفعات من الأساتذة والأطباء والمهندسين وعمال الخدمات؛ لتُملأ بهم عديدُ القوائم في المدارس والجامعات والمشافي والإدارات المختلفة.

أرقام كثيرة مُثقلة بزخم احتمالات لم تشفع لها أن تحتوي عمليّات إنقاذ ذكية وغير مباشرة، بل غلبت النماذج المكررة فتشابهت النتائج الرمادية التي تكرّس لتمديد المعاناة المجتمعية مع سياسة الاستبداد الحاكمة، ربما لأنها طُرق آمنة من المخاطرة، لكن الأكيد أنها قوائم خالية من الأرقام الصعبة.

هذا النوع النفيس الذي لا ينظر إلى الناس من أعلى الجبل ولا من نجم السماء، ولكنه العنصر الفعال والنشيط في ميدانه، في التعليم، أو في الصحة والإدارة وغيرِها من مفاصل الدولة وتفرّعات المجتمع، درجته العالية من المروءة تجعله يتعالى على المعارك التافهة التي يخوضها الأغلبية؛ سعيًا للربح السريع على حساب مصالح مجتمعية قريبة وبعيدة المدى، من تزوير وغش وسرقات مباشرة وغير مباشرة للمال ولساعات العمل، حتى من غير مراقبة فوقية، فمبادئه ثابتة لا تتلون بتغير الحال والمكان، ليس على جانب القِيم فقط، بل في الجانب العملي أيضًا ثقته بنفسه الكبيرة تجعله لا يهاب التحديات فقط بل يسعى إليها، لا يكتفي بالفرص المتاحة أمامه، بل يصنع النموذج الذي تتطلبه اللحظة بكل مرونة وشجاعة، منيرًا بذلك لمجاله وكيانه الصغير بؤرة ضوء تشمل كل الذين معه المُختارين أصلًا على أساس الكفاءة، لذلك يجدُ فيهم سواعد مُعينة لا عوائق خالية من منسوب الجودة.

لأسباب اقتصادية وسياسية تراكمت نقاط التوتّر في العقود الأخيرة، ممّا أدّى إلى انفلات لمسه الجميع على كافة الأصعدة، وفي أكثر من دولة يسودها حكم مستبد وتغيب فيها الديمقراطية، أصبحت القوائم شبه خالية من رجالاتها، ندَر معها حسّ المسؤولية بين الإدارة و المجتمع، وحلّ محلّها العبَث بالمصالح القريبة والبعيدة المدى، بل وحتى العُليا والدنيا، وباتساع فجوة البيروقراطية وتفشي مظاهر الفساد جعل المواطن العادي يشعر بالظلم، وانتشار هذا الشعور لدى العامة أفرز أفرادًا على وزن «نقاط سوداء أو حتى مفخخة» من مدمنين ولصوص وعصابات، ليس فقط على مستوى الطبقات الأفقية، بل حتى على المستوى العمودي، شبكات نَخرت الأعمدة، واستنزفت ما نراه ناتجًا في إحصائيات منظمة الشفافية العالمية سنويًّا.

معظم الأدمغة مدركة لكل هذه التفاصيل العامة؛ لذلك فضلت الهجرة بلا رجعة إلى الأراضي التي تُحفظ فيها إنسانية الإنسان، وفي حين تنبض دول الشمال بفضل شراييننا، يتنوع لدينا الجوع.

فالطاقة الملتهبة لدى شبابنا التي تعتبر وقود أي دولة، لم تجد مستقبلات فعالة، الجوع لراتب كريم عبّر عن نفسه بقلة الإتقان وسرقة ساعات العمل، وجوع الحصول على وظيفة عبّر عن نفسه بالجرائم والتهريب والهجرة السرية، والجوع للزواج نتَج منه جرائم الاغتصاب والتحرش والإدمان. والأهم من ذلك كله، جوع الحياة في دولة مدنية تُحفظ فيها الحريات، وتتساوى فيها الفرص، ولّد ما نستطيع أن نطلق عليه اكتئابًا جماعيًّا أو اجتماعيًّا.

في العهدة العُمَريّة أوقف الفاروق حدّ السرقة بسبب تفشي المجاعة، والشافعي يقول: «نقص من بيتي الدقيق فنسيت ثلاثين مسألة»، أما ابن تيمية يؤكد أن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. لذلك لا نستطيع لوم الانزلاقات الأخلاقية والاجتماعية ومحاسبتها، قبل تحقيق عدل شامل وإيجاد حلول، وألبير كامو يقول: «في نهاية المطاف، الإنسان ليس مذنبًا بالمُطلق؛ ذلك لأنّه لم يبدأ التاريخ! وفي المقابل هو ليس بريئًا بالمُطلق أيضًا؛ وذلك لأنه يتابعه».

ويبقى أي كلام غير عملي نطلقه هنا وهناك ليس إلا مجرد علامة على قصر اليد وفراغ الذهن، لكن رغم ذلك إن لم نحسن قراءة الواقع وإدراك قدراتنا الكامنة فينا بعيدًا عن لوحة ملطخة بكل شيء مرّ ويمرّ علينا، وصناعة أرقام صعبة تنتظم في زواياها المناسبة برؤيتها الاستشرافية ومخططاتها الواقعية، هي الوحيدة القادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه أفقيًّا وعموديًّا ومستقبليًّا، وأختم بقول كافكا في رسالته إلى فيليس: «… وإذا لم يكن ممكنًا توفر حياة واضحة صافية عندئذٍ يجب على الإنسان أن يشقّ طريقه بمناورة بارعة».

The post الأرقام الصعبة واستسهال الجوع appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.