اغتيال التعليم العمومي 

0


لا يختلف اثنان عن أهمية التعليم ودوره المركزي في بناء الأفراد والمجتمعات، وهو كما عبر عنه مالكوم إكس في قوله:

التعليم جواز السفر إلى المستقبل

فالتعليم إذًا هو قنطرة عبور الأمم والشعوب نحو الحضارة والرقي، وإذا كسرت هذه القنطرة وقعوا في براثن التخلف والجهل.

لا يخفى على أحد التدهور الذي وصل إليه التعليم العمومي، خاصة في المغرب، فقد كشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونيسكو – في بيان لها عن معطيات صادمة حول التعليم في المغرب ضمن تقرير (رصد التعليم العالمي 2017) الذي أصدرته داقةً بذلك ناقوس الخطر حول وضعية التعليم العمومي، بعد إقفال ما يقرب من 200 مؤسسة تعليمية عمومية في ظرف خمس سنوات، وأبرزت كذالك أن التعليم المغربي أصبح أداة لتكريس الفوارق الطبقية وإعادة إنتاج نفس الفئة المهيمنة في غياب تام لتكافؤ الفرص والعدل الاجتماعي.

والحديث عن خوصصة التعليم هو ضرب لحق من حقوق الإنسان؛ إذ التعليم العمومي ليس مكسبًا ولا امتيازًا، بل هو حق لكل إنسان كرمه الله بالعقل والتعليم العمومي يعتبر سلعة عمومية لا يمكن استبعاد أي مواطن عنها، أو إقصاءه منها، وهذا طبقا لما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادق عليه المغرب في مادته 26: (أن لكل شخص الحق في التعليم ويجب أن يوفر التعليم مجانًا على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ويكون التعليم الأولي إلزاميًا)، وهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد تعهد المغرب بالإلتزام به فكيف تسعى الحكومة إلى خصخصة التعليم؟ فعوض أن تقوم بإيجاد حلول جذرية لمعضلة فساد التعليم تتجه إلى الحلول الترقيعية التي تزيد الطين بلة، وتضاعف مشاكل هذا القطاع الهام.

يمكننا أن نعتبر التعليم اليوم كأهم وسيلة للسيطرة على الشعوب، لذلك تسعى النظم المستبدة إلى إضعافه وإهماله، وذلك راجع إلى دور التعليم في هندسة العقول وتنويرها، وهو ما قد يشكل تهديدًا حقيقيًا للمستبدين، فإذا أردت أن تتحكم بالعقول، فما عليك إلا بتلقي الطفل منذ نعومة أظفاره، والعمل على عزله عن حقيقة تاريخه وقوة حضارته وثقافته ودينه، ثم إبعاده عن العلم النافع الذي يعود على الأمة والوطن بالتقدم والرقي.

فهل تعليم البغريرة والبريوة تنتظر منه أن يصنع لك جيلًا من العلماء والباحثين والصناع، أم جيلًا من طبقة المغتصبين والشواذ والتافهين والمشرملين؟ وهل هذه المنظومة تعليمية أم تكليخية؟ وهل بمثل هذه المقررات سنتمكن من إنتاج أفراد يفكرون بطريقة استقلالية؟ هذه كلها أسئلة لم ولن تجد لها جوابًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن التعليم في هذه البقعة يهدف إلى تكميم الأفواه، وفرض الوصاية على العقول وتفريخ جيل من المعدومين فكريًا.

وقد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي سياسة التوظيف بالعقدة التي اتنهجتها الحكومة المغربية في قطاع التعليم العمومي، وهو طريق نحو ضرب حق من حقوق الموظفين في الترسيم، والإدماج، والترقي علاوة على أن التوظيف بهذه العقد سيزيد من حدة انتشار الرشوة والمحسوبية بدل ترجيح مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، والشفافية بين المترشحين لمهن التربية والتعليم.

وبالرجوع إلى الميزانية المرصودة لقطاع التعليم وحسب البنك الدولي، فإن المغرب ينفق 6% فقط من الناتج الإجمالي المحلي على قطاع حيوي كالتعليم، بينما في المقابل نجده يصرف بسخاء حوالي أكثر من 14 مليار سنتيم على الأضرحة والزوايا التي تعمق هوة التخلف، وتنمي الخرافات الشركية، وتخلق أفرادًا كسالى قد قبروا عقولهم.

وختامًا وفي إطار الوضع الراهن، فالحل من وجهة نظري الشخصية، وفي ظل هذا العقم الحكومي في علاج – الاختلالات الكثيرة التي يتخبط فيها قطاع التعليم بالمغرب – هو غرس ثقافة المطالعة وفن القراءة في الناشئة، وحثهم عليها، ولما لا يخصص جزء من البيت لمكتبة صغيرة للأبناء، وأن يكون الأب والأم قدوة لأبنائهم في ذلك، فكما يقول المثل: بيت بلا مكتبة جسد بلا روح، أما الأمر الثاني الذي وجب اعتماده هو التكوين الذاتي، خصوصًا واليوم مع التطور التكنولوجي أصبحت المعلومات متوفرة وسهلة الوصول، فأرى أن هذا هو السبيل الأمثل للخروج من مخالب التعليم الفاشل واسترداد ولو نسبيًا كرامة الإنسان المغربي.

The post اغتيال التعليم العمومي  appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.