إخلاف الموعد قتْل للوقت والصدق

0


حدثني أحدهم أن صديقه هاتفه وأخبره أنه سيأتي لزيارته في الساعة الثامنة، فما كان من الرجل المسكين إلا أن ترك عمله وشؤونه وهيأ نفسه ليستقبل صديقه في الموعد المحدد. يقول محدثي: صارت الساعة الثامنة والنصف والرجل لم يأتِ، تجاوزت التاسعة وأنا لا زلت أنتظر، اتصلتُ به مرتين لكنه لم يُجِب، ما إن وضعتُ الهاتف جانبًا حتى سمعت طرقاً على الباب، فإذا به صديقي! ويحلف لي فيقول: والله لولا الحياة والخجل لطردته في تلك اللحظة، لشدّة غيطي.

هذا موقف صغير يتكرر معنا عشرات المرات كل يوم، يتكرر من الأهل، الأصدقاء، الزملاء في العمل، سائقي السيارات، كثير من الزائرين، فحدث عن هذه المواقف ولا حرج!

وصمة جديدة طبعت على جباهنا منذ عقود، المواعيد الكاذبة أو مواعيد عرقوب كما أسماها العرب، ولمن لا يعرف فعرقوب هذا رجل من العماليق، أتاه أخ له يسأله أي يطلب منه مسألة فقال له عرقوب‏:‏ إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه للعدة، فقال‏:‏ دعها حتى تصير بلحًا، فلما أبلحت قال‏:‏ دعها حتى تصير زهوًا، فلما زهت قال:‏ دعها حتى تصير رُطَبا، فلما أرْطَبَتْ قال‏:‏ دعها حتى تصير تمرًا، فلما أتمرت عمد إليها عرقوبٌ من الليل فجدها ولم يعط أخاه شيئًا فصار مثلاً في الإخلاف.

وما أشبهنا به إذ صرنا نعد ونخلف نضرب مواعيد فلا نأتيها أو نتأخر على أصحابها حتى إذا ضجر أحدهم منا ومن تأخرنا بات يتهرب منا ومن لقاءاتنا، ولو أقسمنا له أغلط الأيمان أننا لن نتأخر عنه فأغلب الظن أنه لن يصدقنا إذ بات معروف أنك تتأخر وأن هذا صار طبعك وصعب عليك أن تطبعه فالطبع يغلب التطبع كما قالوا قديما!

ترى ما السرّ وراء إفراطنا في التأخر عن مواعيدنا وعدم احترامها؟!

الظروف ليست حاكمة دائمًا ولا سببًا في تخلّفك عن الموعد المضروب، قد تتأخر مرة أو مرتين، ربما ثلاث، لطارئ ما، لكن أن تتأخر كل مرة وتتخلف كأن هذا ديدنك، فهذا ضرب من العبث الذي لا يرضي صاحبك الذي أخلفت موعدك معه.

في هذا السياق تستحضرني قصيدة لمحمود درويش بعنوان «أنتظرها» يقول فيها:

فإن أقبلت قبل موعدها أنتظرها

وإن أقبلت بعد موعدها أنتظرها

كأني به في هذين السطرين يرسخ فكرة التأخر وعدم احترامنا للمواعيد كمخالفة الوقت بالحضور قبيل الموعد المضروب أو بعيده بقليل! فصار التأخر قاعة ثابتة ولازمة لكل مواعدينا المضروبة.

قديمًا قالت العرب: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك» فكانت تقطع الوقت بسنان أشغالها وأعمالها التي لا تنتهي، فتنجز وتعمل، تخترع وتتقدم، تؤلف وتقرأ، تحارب وتدافع، تمضي أيامها بين كر وفر، فلا يفوتها دقيقة دون عمل نافع أو ناجع، تنتصر على الوقت وللوقت فلا يذهب هدرًا ولا هباءً، وكان هذا من باب تقديرها للوقت وإدراكها لقيمته عدا عن التزامها للصدق في وعودها ومواعيدها.

فإدراكهم لقيمة الوقت وأنه رأس مال المرء بلا منازع جعلهم يتصرفون به ويديرونه على النحو الصحيح، فما ذهب منه لن يعود وما يهدره المرء منه عبثًا سيندم عليه ذات يوم وربما يكون سببًا في حسرته وتعاسته.

فالأولى بنا أن نضع نصب أعيننا «أن الحياة دقائق وثوان» فهي قصيرة تمر على عجل رغم ما يبدو لنا من طول أيامها واتساعها! فالعاقل المتبصر المدرك لهذه الحقيقة لا يرضيه أن تمر الدقائق والثواني سدىً أو تضيع عبثًا وهباءً منثورًا بأمور لا فائدة فيها ولا قيمة لها، وإدراكه لهذا الشيء يجعله يتعامل مع مواعيده بصرامة تامة وجدية مطلقة فلا يتأخر عنها وعن أصحابها إلا إذا عارضه عارض.

The post إخلاف الموعد قتْل للوقت والصدق appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.