أرواح لا تمرض 

0


من الطبيعي جدًا أن تمرض الأمم والمجتمعات، ومن المقبول أيضًا أن تتعرض النفوس إلى أوقات فاصلة وعقبات في مسيرتها نحو السلام الروحي. لكن من أسهل النفوس التي تصل إلى مرحلة السلام النفسي هي تلك النفوس التي وكلت الله في كل أمورها، وسلمت نفسها وخضعت لجلال وجهه وسمو عظمته. فأيقنت أن كل شيء مهما عظم أو صغر ومهما تعالى أو انحدر فأمره مِن وإلى الله، الموجود بلا سبب والباقي حين لا يبقى شيء أو أحد.

لنستعرض سمات تلك النفوس وصفاتها، وكيف أنها أوكلت أمرها لله يجب أن ندرك بأن تلك المكانة من الاطمئنان من الصعب جدًا تحصيلها، فهي مكانة المؤمنين الذين تقل أعدادهم يومًا بعد يوم؛ نظرًا إلى الحداثة التي أصبحنا فيها، والتطور والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي لم يعد يتيح للمرء أن يتفرد بنفسه، أو أن يتفكر فيما حوله. فأصبحنا معكوفين على الهواتف النقاله بدلًا من الكتب، وأصبحنا نسابق الزمن بدلًا من أن نطور أنفسنا ليخضع لنا الوقت. لم يعد هناك مكان لم يُكتشف أو عوالم لم تُخترق، فصرنا نرى الجُرأة على الله في التلفاز، والعُري أصبح موضة العصر، وتدني الأخلاق أصبح من سمات بعض المُجتمعات التي اعتدنا منها حُسنه للأسف الشديد. وطأت أقدامنا القمر ولم نهدأ أو نوقن بأن للكون منظمًا ومهيمنًا ومسيرًا. حاولنا ونحاول ولن يهدأ للبشرية جفن حتى يزوروا الشمس مع العلم بأن العواقب لن تكن محمودة على الإطلاق، لكن كل هذا لأننا فضوليون ومعاندون للطبيعة وقانون الله في ملكوته.

إن العلم جميل لا شك في ذلك على الإطلاق، لكننا صرنا نخاف من علمٍ يؤدي بنا إلى المهالك. فهذا العلم الذي كان سببًا في توفير الدواء بمختلف أنواعه، وتطوير العقاقير، وزراعة الأعضاء، وإنقاذ الكثير من الأرواح، واختصار الوقت والمسافات، هو نفسه العلم الذي اخترع القنابل النووية والذرية والهيدروجينية، والغازات القاتلة والحارقة والمسيلة للدموع، والصواريخ عابرة القارات وعابرة المحيطات والأرض أرض والأرض جو، وغيرها من المُسميات التي أصبحت تشيب لسماعها الولدان، وما خفي كان أعظم. وأنا على يقين بأن النفوس التي طورت تلك الأسلحة أو اخترعتها لم تكن إلا نفوسًا مريضة لا تحب أحدًا ولا يحبها أحد، باتت من الغرور والتسلط في حيرة من أمرها، لا تنام حتى تدمر وترعب وتفزع الآخرين في أماكنهم، أملًا في أن ترى نفسها بزي المُهيمن أو القوى. كل هذا لأنها نفوس لا تعرف معنى الراحة أو السكينة. لكن كل تلك النفوس قد فنيت هي وأرواحها ولم يبق إلا ما قدموه للعالم من سوء وشر، ليكن دليلًا على فجرهم وتمردهم إلى يوم القيامة ليذيقهم الله بذلك أشد العذاب بحق كل نفس ظُلمت أو أُذهقت بسببهم، فسبحانه «غافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» (غافر 3).

وهم بأفعالهم تلك لا يتشابهون إلا مع القتلة الذين سبقوهم كهامان الظالم وفرعون القاتل المتسلط وقارون المغرور وقوم عاد المتكبرين المعاندين، كل تلك النفوس وغيرها التي لا تعرف معنى الحياة، ولا تأخذ منها سوى القشور، فيحيون معتقدين أنهم إلى بقاء ولكن لا بقاء إلا لله. فعاشوا حياة تعيسة لا تعرف معنى الهدوء، وقبضت أرواحهم في صور شنيعة ومريعة ومرعبة لا تخفى على أحد.

لكن على الوجه الآخر هناك نفوس تسعى دائمًا إلى تحسين نفسها، ورغم كل اجتهادها وكفاحها قد أعطت وأسلمت أمورها إلى الله بلا مساءلة وبلا تردد أو مجادلة، حتى أنها لم تتمرد فتوكلت على الله حق توكله. هم الذين حق عليهم قول أهل العلم «لو توكلتم على الله حق توكله لكنتم كأم موسى تُرضع ولدها وتأخذ أجرها».

لو قابلت نفسًا من تلك الأنفس في يومٍ من الأيام ستجدها تثق في كل تدابير الله تمام الثقة. فلسان أحوالهم يقول رغم كل المعاناة والمصاعب وكل ما طرأ عليها «لعله خير» فلا المرض يعييهم عن حب الله، ولا المصائب تثنيهم عن اليقين به. فهم يعيشون طبقًا لقول الله تعالى «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم» (سورة البقرة 26)، مطمئني الأنفس ساكني الأفئدة محبي للخير ولمساعدة الضعفاء، يرون بنور البصيرة أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وفناء، شرها زائل مهما كثر، وخيرها زائل مهما استعظم. حبها محدود وفراقها محتوم، ولا يمكن أن تصبح دار مستقر. لا يتسلل الشيطان إلى قلوبهم مهما كثرت وعوده وأمانيه لهم، لأنهم هم الذين استثناهم الله في قوله تعالى على لسان إبليس «قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين». (ص 82)

أصحاب تلك النفوس لا يغضبون إلا للحق، دائمًا في نصرة المظلوم، ويسعون في حاجة المحتاج. شعارهم المودة والرحمة والرأفة بخلق الله، يعيشون صابرين ثابتين. الوداعة في أرواحهم والسماحة في وجوههم، وحُسن الظن بالناس من أفضل سماتهم. ولم يذكر الله صلاح البال في القرآن إلا مقرونًا بالإيمان به، فقال تعالى «والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم» (محمد 2).

أما النفري فقد قال في كتاب المواقف والمخاطبات في الخطاب الرباني «إذا انكشف سرك فما عدت أنت أنت، أنت مني، أنت تليني، وكل شيء في الوجود يأتي بعدك. لا شيء يقدر عليك إذا عرفت مقامك ولزمت مقامك، فأنت أقوى من الأرض والسماء، أقوى من الجنة والنار، أقوى من الحروف والأسماء».

ولما قال الله لأم موسى فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني. إن هذا الفعل لا يقبله ولا يقوم به إلا قلب المؤمن الذي فطن بأن لله تدابير أعلى من تدابير كل البشر، لذلك كانت العاقبة أجمل من كل ما تمنت هي، ففي اليوم الثاني أرضعته بنفسها وعاشت في قصر ملكي وكانت تتقاضى أجرًا على ذلك أيضًا.

إن تلك النفوس قد سلكت درب التوحيد عن إخلاص وتعبد تام، فأنقذها من المشاعر المضطربة ووحدها وعافاها من كل شتات بين آلهة متعددة من هذا وذاك. فأزال عنها رداء الرغبات ووضحت بصيرتها، وأبت وامتنعت عن كل أصنام الدنيا المعبودة كالمال والجنس والكرسي والسلطان. ثم وصلت إلى مرحلة اللاخوف، حيث لا مكان لخوف أو رهبة في قلوبها، فهي نفوس عرفت الله فعافاها من كل مرض أو تهديد أو ترويع. حتى أنها أصبحت ترى الموت تحررًا وسببًا للقاء الله وهو الحبيب الذي اشتاقت للُقياه.

ومثال آخر على تلك النفس فهي نفس سيدنا الخضر عليه السلام ومن شابهه؛ لأنهم هم الذين اختصهم الله لتعليم وإرشاد الأنبياء. وهؤلاء العارفون مهما كانت الأفعال التي يقومون بها قمة في الغرابة فلله فيها غاية وهدف، كما أنهم لا ينسبون شيئًا إلى أنفسهم أبدًا، وإنما قولهم ثابت بكل تواضع يقول: «وما فعلته عن أمري، ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا» (الكهف 82).

قلوبهم وديعة في اندهاش وتعجب دائم من آيات الله في الكون، أوقات وحدتهم كثيرة يفضلون الانعزال والتفكر على التجمعات التي لا طائل منها. وكلما ازدادوا علمًا ازدادت دهشتهم وتعرفهم إلى الله. لا يعرفون الملل أو الكآبة أو حتى الوحدة، فوحدتهم انشغال وليست فراغ، فهم جلساء الله في كل الأوقات، فإن لم يكن بالكلمات فبالتفكر في آياته. حزنهم سريع مليء بالرجاء والحمد. لا يرون في الناس إلا الخير ولا يطلقون أحكامًا على أحد عملًا بأنه لا حول ولا قوة للناس، والكل معرض للخطأ. وهم مشغولون دائمًا بأنفسهم يجابهون دنياهم وملذاتها، وأعتقد أنهم يوافقون قول الدكتور مصطفى محمود عندما قال: «إن الدنيا تتلخص في أن تقاوم ما تُحب وتتحمل ما تَكره».

نفوسهم عاملة ونشيطة يرون في العمل والكدح عبادة وشفاء من أمراض التباطؤ والتكاسل. أما في المسامحة فهم يسامحون مرارًا ومرارًا ليس ضعفًا وإنما لأنهم أقوى من أن يقسوا أو يردوا طلبًا للمسامحة. لا يدخلون في نزاعات أو مقارنات لرضاهم التام عن أنفسهم، وثقتهم الثابتة في الله.

يؤمنون جدًا برسائل الله الخفية ولا يستسلمون أو يتراجعون عن أمرٍ بدؤوه؛ فهم يرون تدبير الله في كل شيء عملًا بقوله سبحانه «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، فإن ابتدؤوا أمرًا كانوا على يقين من إنهائه لأن الله وفقهم لذلك، ولكن محال على من يفنى أن يكشف النقاب عن سر ما لا يفنى.

يقول العارفون: نحن في لذةٍ لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف، ولكن أنى لهم أن يعلموا ذلك وهم غرقى الدنيا وسجناء الماديات؟

أقصى آمال النفس المؤمنة أن تموت وهي قادرة على العمل حتى النفس الأخير، ومنتهى مرادها أن تُزهق أرواحهم وهم يغرسون شجرة أو يُساعدون محتاجًا أو ينيرون طريقًا. جعلنا الله وإياكم منهم، وأظلنا سبحانه وتعالى بظله يوم لا ظل إلا ظله. دمتم مطمئنين.

The post أرواح لا تمرض  appeared first on ساسة بوست.



Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.